كان الفصل شتاء، وفيه يحلو لشباب البوادي التمدد تحت أشعة الشمس في النهارات التي تبدو لهم طويلة، بينما تسرح الفتيات بالأغنام للمرعى بمرافقة حمار وكلب.
وكانت الرحلة عبر صحراء سيناء من شمالها إلى جنوبها حلما، حتى آن الوقت فأعددنا للرحلة الميمونة، وتزودنا بأهم ما تحتاجه الرحلة البكر التي تستغرق خمسة أيام، وهو عدد من الدفاتر أو الكراسات الخفيفة وبعض أقلام الحبر الجاف لتدوين المشاهدات، ومجموعة من الأفلام للتصوير والبطاريات للكاميرا حيث لم تكن الكاميرات ذات التقنية المتطورة «الديجيتال» قد وصلت إلى الأسواق بالكثافة التي نشهدها اليوم.
كان اليوم الذي انطلقنا فيه صافيا؛ لكن برودته كانت قارسة بعض الشيء، وقد ودعتنا قطرات من مطر شتائي في المدينة الأم القاهرة. في الصحراء وحيث الآفاق اللا محدودة استقبلتنا ذبذبات الفراغ المتناهي، وفضاء متسع.. رحب ومنفتح على الروح، هناك وعلى جنبات الطريق كنا نسمع أزيز الصحراء..
حديث يأتي من أعماق الماضي فتحدثنا عمن تاهوا في مجاهل جبالها، وعمن قطعوا رهبتها المخيفة بالإيمان والسفر إلى الله، حيث تركوا أنفاس القداسة تتقاطر على العابر من كل حدب وصوب كقبس دري باق ما بقيت الأرض. كما تحدثنا عمن جابوا رمالها، وعمن خاضوا غمار الحروب البعيدة والقريبة في رحابها، وتدلنا على آثار المحاربين وبقايا معداتهم وأرواحهم التي لا تزال تتردد في الجهات والأمكنة، خالدة بمواقفها وتضحياتها خلود الدهر.
وهناك أيضا التقينا أول المواد الفوتوغرافية الحية «صباح» الصبية البدوية؛ نموذج البساطة البحتة والبراءة المذهلة حد الصدمة، الأمر الذي استفز شغف التصوير. وجاءت صباح متسربلة بزيها البدوي الأسود، أما غبار البراري فقد أحال سواد الثوب إلى الرمادي.
لم تنس صباح أنها أنثى، فحاولت الاحتيال على ألوان ثوبها الباهتة وعلى اللون الأحادي للصحراء فتزينت بالعديد من الحلي المعدنية والخرز الملون، وأضفت منها على حمارها رفيق الرعي والسقي، وقد زينت بردعته بالخرز الملون والشرائط الزاهية والأجراس. امتداد الصحراء والغموض المنساب بلا هوادة يستفز المشاعر عند مرور أية بارقة..
ومنها كانت صباح بهيئتها ونظرة الفضول الجريئة في عينيها، ولعلنا استغربنا موافقة صباح السريعة لالتقاط صورة لها، بل طلبت أن نأخذ لها عدة صور وكان مطلبها على الرحب والسعة تماما. تركناها تختار الأوضاع التي ترغب بها، فاشترطت أن تتصور بجانب حمارها أيضا. لم يكن يبدو من تلك البدوية الصلبة سوى عينيها البراقتين وكفيها القاسيتين وهيبة من غموض الصحراء المترامية تكسوها.
كانت الأمور جيدة بيننا وبينها حتى الانتهاء من التقاط الصور ثم حدثت الأزمة حين رفضت البدوية السيناوية مغادرتنا قبل أن تحصل على صورها في الحال؛ شرحنا لها بأن الصور لابد أن تخضع للتحميض أو التظهير، وشرط في الظلام، لكنها أصرت مطالبة بضرورة فتح الكاميرا وإخراج الصور في الشمس. لم يعنها الشرح، ولا تلف الصور، وتشبثت صباح بمطلبها رامية بتوسلاتنا ومبرراتنا على جنبات رمال الصحراء المتحركة لتذروها الرياح. كان قد استغرق تصويرها سبع دقائق؛ لكن إقناعها استغرق أكثر من ساعة كادت خلالها أن تنطرح أمام عجلات السيارة لتمنعنا من الانصراف قبل حصولها على صورها.
وبعد محاولات توصلنا إلى تسوية فوعدناها أن نحضر الصور في طريق العودة إن انتظرتنا في المكان نفسه، فقالت يائسة (سأكون في المرعى؛ لكن سأرسل حمدان ليستلم الصور) وأعطتنا أوصاف حمدان بدقة وأخبرتنا حتى بلون ثوبه. ووفاء لصباح بالوعد عدنا بالطريق نفسه، وعند النقطة المتفق عليها للقاء حمدان توقفنا، ولأكثر من نصف ساعة وما حضر حمدان.
بحثنا في الوجوه القليلة الموجودة عن ملامحه ولون ثوبه؛ فوجدناها جميعا بذات الملامح وبلون الثوب. وبدا أن حمدان قد خذل الصبية في استلام الصور ما لم اختار اللحاق بها إلى المرعى لإكمال الحكاية؛ إذ بدا أن بين حمدان وصباح قصة تنسج، وتتشكل على أشهاد الرمال، وأما الصور وقبول صباح الفوري بالتقاطها ما كان إلا من أجل عيون حمدان.
