تدور أحداث الحكاية في حدود حي سكني صغير، يقع في إحدى المناطق القابعة بالقرب من أحد الشواطئ في مدينة شهيرة، في واحدة من الدول الصغيرة، لم تلمسه مخالب الحداثة بعد، ولا مكان فيه للغرباء فالبيوت معدودة وأصحابها كذلك.

يحفظ سكان الحي بعضهم عن ظهر قلب، في أول الحي هناك أبو راشد، والعمة شيخة، وفي آخره يقع بيت سالم ويقابله بيت بومحمد، فالوجوه تكاد تكون نفسها منذ أكثر من ربع قرن، تربطهم علاقة جيدة بالمكان، متذبذبة بالإنسان كعادة بني البشر يختلفون في أدق التفاصيل، فما بال السكنى؟ أبسط ما يجتهد في تأمينه البشر.

أعداد نسمات الحي في ازدياد، بينما تبقى أعداد الغرف كما هي، زفالعيال كبرتز وتزوجوا ورزقوا بأطفال وضاقت بهم تلك المساكن المتهالكة، ولكن جذورهم تزداد عمقاً بالمكان الذي ألفوا، فهم لا يعرفون غيره، ولا يتذكرون سواه.

بينما هناك في آخر حدود الحي وبمحاذاة نهاية الشارع، أرض رملية خالية يراها البعض ميتة، وقد لا يراها البعض الآخر بتاتاً لصغر مساحتها، ولكنها بالنسبة لسكان الحي قطعة من القلب، تحتضن لعب الأطفال في ساعات العصر القليلة، وتجمع النساء في جلسات سمرٍ خاصة بعيداً عن أعين المارة والمتطفلين.

في غفلة من زمن الحي، ولحظة سها عنها السكان، لمعت تلك الأرض لأحدهم كجوهرة ثمينة، وكتحفة لا يجب المساومة على اقتنائها، فالحي في وسط المدينة، وبالقرب من شاطئ البحر، وسعى لامتلاكها وكذلك فعل، فصغائر الأمور والأماكن سهلةُ الاقتناء على من هم في مكانته، يقال إنه شخصية مهمة في البلد، يملك من الأرض نعيماً واسعاً وملكاً كثيراً لا تأكله النيران، فلم هذه الأرض بالذات؟، هكذا تداول السكان قصة السور الذي أحاط بقطعتهم التي تشاركوا فيها الأحاديث والحكايات وأحلك اللحظات.

بعد أن شُيّد السور، باشر العمال البناء، يبدو أنها فيلا فاخرة، تغيرت ملامح الفريج كثيراً، ضج بالعمال ومعدات البناء وسيارات النقل، بالرغم من ذلك لم تستمر أعمال البناء سوى بضعة أشهر، والسكان كذلك تواقون للقاء الجار الجديد، غير أن البعض منهم متحفظون على استقبال الأثرياء في حي تغلب عليه البساطة.

توشك أعمال البناء في الفيلا على الانتهاء، عروس جديدة تزف إلى الفريج المتهالك، السكان يكسرون حاجز الصمت، ويقصدون الفيلا في زيارات شبه يومية في محاولة لمراقبة آخر اللمسات، باب كهربائي، قرميد أحمر قاني، ستائر فخمة، وسجاد إيراني، تيار هوائي يراقص الستائر وإطلالة بحرية خلابة، بالرغم من صغر حجمه، إلا أنه يتوق إلى احتضان ساكنيه، الأمور تسير على ما يرام، والأعين جميعها تترقب وصول الجار.

وفي تلك الأثناء، هناك أعمال طرق في الشارع المقابل للمنزل الجديد، يا سلام مفاجأة سارة، سيفتح الطريق أمام المنزل ليغدو الفريج أكثر اتساعاً، وسيصبح هناك شارع مختصر لطالما طالب به السكان اختصاراً للوقت وتجنباً للعناء، أما اليوم فتحل بركات الجار الجديد بشارع جديد أيضاً.

البيت على أهبة الاستعداد، والشارع يتسع لموكب استقبال الجار الجديد، والجميع يترقب بمشاعر مختلفة، مر على الوضع أكثر من ستة أشهر، الفيلا واقفة والحارس الساكن الوحيد، وجارٍ الانتظار.

أُضيئت الأنوار أخيراً، والساكن وصل بالسلامة، وبعد عناء واجتهاد، عُلم أن الساكن الذي طال انتظاره فضل فتح باب الاستثمار، وأصبح المؤجر هو الجار.

أمل الفلاسي