مضت أيام وما زلت أتذكر كلماته وضحكاته المسمومة، وتلك الأم البائسة ما زال وجهها الشاحب المليء بالحسرة والألم يؤثر في مشاعري وأحاسيسي، ما زلت منذ ذلك اليوم الغريب أفكر في صمتي المطبق، وكيف ضاعت مني الكلمات، ترى لماذا لم أحرك ساكنا أمام تلك السخافات؟! لكني أكاد اجزم بأنها الصدمة بلا شك، والتي كانت مفاجأة من العيار الثقيل، فالمشهد غريب.
ورغم انه مر معي للحظات، إلا انه سجل علامة فارقة تركت أثراً لن يمحى بسهولة من حياتي، ففيه فصل غريب من فصول الحياة، حين تحولت الأم التي حملت وولدت وأرضعت وسهرت مثارا للسخرية، من ابنها وزوجه، فهمساتهم المسمومة تكاد تخنقني، وضحكاتهم المشؤومة أصبحت كابوسا يلاحقني.
كان آخر الأسبوع حيث كنت أستعد لإجازة بعد أسبوع حافل بالعمل، دخلت المصعد للنزول إلى الطابق الأرضي، فتوقف في الطابق السادس، ليسدل الستار عن فصل سيئ الإخراج، لم يكن كوميدياً، بل تحول إلى تراجيدي مأساوي، بهراء كامل يحمل كل نقيض وبغيض بذات الوقت، أبناء يسخرون من أمهاتهم.
ويتمنون لحياتهن التوقف، مع أنهن بمشيئة الله وهبن لهم الحياة، كان مشهداً مليئاً بالحسرة والألم، أبطاله أم عجوز لا حول له ولا قوة، تقف إلى جانب ولدها الشاب الذي كان يشبك يده بيد زوجه، وأمه المسكينة التي لا تكاد أرجلها قادرة على حملها، تدخل وحدها بلا معين إلى المصعد، لا تجد من يعينها على الوقوف إلا الله. بدأت القصة بعد أن أغلق المصعد أبوابه، لتحاول الأم فورا الاطمئنان على صحتها بعد زيارتها للعيادة الطبية، سائلة ماذا قال الطبيب يا بني ؟!
ليعاجلها بكلمات مسمومة، تمنيت لو أني لم اسمعها، «بيقول بتموتي فقد انتهى عمرك الافتراضي وسنحجز لك القبر» تبعها ضحكات ساخرة، كلمات أظنها نزلت عليها كالصاعقة فقد أخذت تترنح كمن أصيب بالضربة القاضية، وقفت أتأملها ارقب فيها وجهها الذي كانت تغمره العبرات، وتخنقه الآهات والحسرات، كيف لا وقد حول ابنها سنوات عمرها الطويل التي أمضتها في تربيته، الى نكتة باردة ودعابة سخيفة يداعب فيها مسامع زوجته التي بادلته الضحكات الغادرة المزعجة.
والتي استمرت إلى أن وصلنا إلى الطابق الأرضي، لينطلق ابنها مع زوجته بعيدا، فيما أخذت تسير وراءهم مهزومة، تمشي على قدميها التي بالكاد تحملها، إلى أين لا ادري، وقفت لحظات لا اعلم إلى أين أتجه، أتأمل المشهد على أمل بأن يعاد ثانية بسيناريو وحوار وبأبطال مختلفين، قلت في نفسي: مسكين يتمنى أن يقفل بوجهه باب من أبواب الجنة بموت أمه، بدلا من أن يرجو لها الحياة ويستمر عطاءه لها والذي مهما عظم فلن يرد لها إلا القليل مما لها عليه.
توقعت للحظات أن تكون الإجابة مغايرة، وان يبادرها الابن كأي إنسان سوي حريص على مشاعر والدته، بأن كل شيء بخير، وبدعوات بطول العمر وبقائها لترى أحفادها يكبرون إمامها.
فراس العويسي
