اعتدنا نحن سكان البناية أن نطلق صيحات الغضب، أو بالحد الأدنى إبداء عدم الرضا والتأفف كلما كانت الممرات ودرجات سلم البناية غير نظيفة، الأمر الذي دفع إدارتها إلى إجراء التغيير تلو التغيير في عمّال النظافة المكلفين بهذه المهمة طمعاً في إرضاء السكان..

ولكن هذا اليوم لم يكن يوم السكان بل كان يوم عامل النظافة «بينو» الذي كان صوته الغاضب يعلو على كل صوت ويصرخ محتجاً: «هذا ما في مزبوط، ما في زين»، وينظر الحشد من السكان إلى حيث يشير بيده فيشاهدون البوظة ذائبة في المصعد مختلطة بمحتويات علبة «البيبسي كولا» مشكّلة ما يشبه البحيرة الصغيرة اللزجة.. الجمهور الذي اعتاد التذمر انسحب أفراده تدريجياً وبقيت وحدي معه..وبادرته بالقول..

ـ لاتضخم الأمر يا«بينو»، هذا عمل أطفال ليس إلا.

ـ أكيد أطفال، لكن للأسف ما في تربية مزبوط، كما أنهم لا يعرفون قيمة الأشياء.

ماذا تقصد بذلك؟

في قريتي لا يمكن أن يفعل الأطفال ذلك، لأنهم إن تمكنوا من الحصول على البوظة أو «البيبسي كولا» مرة فهم يعرفون بأنها قد لا تتكرر لذلك فهم يحافظون عليها.

...آثار الدموع التي ظهرت في عينيه دفعتني للتساؤل باستهجان:

إلى هذا الحد ترى أن الموضوع كبير ويستحق كل هذه الانفعالات؟

يبدو أنك لم تفهمني، لأن الموضوع فقط أحدث حالة تحفيز لذاكرتي التي لا يغيب عنها شيء أصلاً.

وبماذا ارتبط هذا الموقف بذهنك؟

بالسبب المباشر الذي جعلني أترك قريتي ذات يوم.

وما هو هذا السبب؟

عندما عجزت عن تلبية رغبة أولادي بشراء وجبة «كنتاكي» لهم من المطعم الذي كان قد افتتح حديثاً قي المنطقة، والتي بدأت إعلانات هذا النوع من الطعام تغزوها.

وهل يمثل هذا كل السبب للرحيل؟

بالتأكيد لا، فالأمر ارتبط ببكاء ولدي الصغير وبشدة أمام باب المطعم طالباً مني الدخول دون جدوى، فيما أطفال الأسر الميسورة يلتهمون أمام ناظري ولدي ومن خلف الزجاج قطع الدجاج المقرمش.

وماذا فعلت إزاء هذا الموقف؟

بكيت كثيراً جراء عجزي عن تلبية رغبة طفلي، واتخذت القرار الصعب بالسفر.

وكيف تدبرت مصاريف السفر وأنت لا تملك ثمن وجبة «كنتاكي»؟

صدقني لقد عملت ليل نهار من أجل ذلك ولمدة ثلاثة أشهر، والأهم أنني وقبل سفري أحضرت لأولادي جميعاً الوجبة الموعودة.

وكيف استقبلوا الأمر؟

لقد كان عرساً حقيقياً بالنسبة لهم.

وكم مضى على وجودك هنا؟

حوالي العامين ونصف العام.

ألا تشتاق إليهم؟

أكثر مما تتصور، ولكن ما يخفف عني أنهم يملكون القدرة أحياناً على تناول وجبة «كنتاكي»®.و.. واستدار نحو المصعد وباشر العمل في تنظيف آثار خلفها أطفال لا يقدّرون قيمة الأشياء المتاحة لهم.

خالد اللوباني