توجهت في الصباح الباكر لأحد المقاهي بدبي، لاحتساء كوب من القهوة حتى «أصح صح» قبل ذهابي للعمل، بحثت طويلاً عن درهم لاستجلاب ورقة الموقف، ولم تغفل عني خلال هذه اللحظات نسمات الهواء الباردة لتدغدغني فأعطس كثيراً وأزعج من حولي، ودخلت إلى المقهى لتستقبلني ابتسامة العامل وهو يقول «غود مورنغ مدموزيل».
وبدوري رددت عليه صباح الخير مع ابتسامة، وإذا بالزحمة تفاجئني حتى في المقاهي وفي هذا الوقت الباكر، وانتظرت طويلاً وعيناي تلتف حول الجماعة المتواجدة في المكان، لم أندهش لوجود أجانب وإنما لفت نظري وجود امرأة وابنتها في زاوية بعيداً عن أعين الناس، ثم جاء دوري فطلبت قهوتي المعتادة في كوب ورقي، جلست أمام الطاولة التي بجانب المرأة وابنتها ولم استطع النظر إليها مباشرة ولكن كنت أتابع تصرفات البنت، فشدني قول الأم «مب عيب اميلستني بين الرياييل»، والله يافطوم لو حد يشوفني ويعرفنا بذبحج، وترد عليها أميه عادي وين المشكلة؟! اتطوري، «أميه لين متى بنتم متخلفين»، فردت عليها الأم هيه وين أيام قبل؟
شو هذا «السندويج اللي يايبتلي اياه حشى ما ينأكل» لو ما كله في بيتنا احسن، هذا الريوق الغاوي الجباب الفنان وقهوة تعدل راسي عن هالقهوة اللي ما إلها لا طعم ولا ذوق، لكن البنت كانت مشغولة بالمسجات اللي أطرشها يمين ويسار، فهي تحسب أن جلوسها في المقاهي بدون هدف هو ضريبة التطور ضاربة بالعادات والتقاليد عرض الحائط، في الجانب الآخر سمعت امرأة تصفف شعرها .
وتتأكد من أن مظهرها جميل، حتى بعد أن جلست وهي تحاور صديقتها وتقول شفتي أمس ساعة رشا بتظن انها كتير حلوةّ ما بتعرف انو بنعرف إنها مقلدة، تضيف صديقتها التي كانت مشغولة بوضع المسكرا والأيشدو أي بتروح بانكوك بتجيبلها شي كمن ساعة على كمن قطعة ذهب يعني بضاعة مضروبة كلها تايوانية مش أصلية مفكرتنا ما بنعرف الأصلي من التقليد، ليش هالفشخرة.. والكلام عن الماركات والأرقام المميزة.. أحسن تعيش على قد حالها وتفكر في عيالها. هنا زادت دهشتي فكلامهما وهما جالستان لم يترك شيئاً عن المباهاة والفشخرة لم يقل.
وفي ركن قصي كانت إحداهن تحكي لصديقتها عن الـ «بوي فرند» اللي شبع من بيزاتها وهرب..بادرتها تلك قائلة إيش حقه يالخبله تعطينه بيزاتك..هاده عرقك وشقاك، تكدين طول الوقت وبالساهل ياخدها عنك ويطير، والله ما تستحين على ويهك..هنا طفرت الدموع من عينيها ولم تقل سوى اتحسبته من الأوادم بالكشخه والنفخه وسيارته ومبايلاته قص عليّ وقال عن أهله هوامير سوق الأسهم والعقارات لكنه طلع نذل وما يستحق الرمسة.
نهضت صديقتها من كرسيها ودفعت الحساب ثم اتجهت نحو البوابة وهي تقول بتسيرين وياي السينما شي فيلم غاوي ولم تنتظرها تكمل حديثها فسارتا معاً بخطوات متثاقلة تشيعهما نظرات الحاضرين من الشباب.
وكانت المفاجأة عند مدخل السينما .. فقد جاء صديقها الذي هجرها يتأبط ذراع إحدى الفتيات من ذوات البشرة البيضاء والعيون الزرقاء ..ومن هول الصدمة صاحت طالعي طالعي .. شوف الخايس مين وياه.. ولم ترد عليها صديقتها لأنها في تلك اللحظة كانت تبتسم لأحد الشباب وتنعش ذاكرتها بحب قديم أخذت تلملم بعض بقاياه.
