نشأ وحيداً، عندما كان الفقر سائداً، والرفاهية عادة لم تستحدث بعد، أنجبت فاطمة العديد من الأبناء ولم يظفر منهم بالحياة سواه، كعادة تلك الأيام، شحيحة في المال وفي البنون، ومن كان له ابن منهم فقد كتب له عمر جديد، فهو الولد والسند وامتداد للعائلة، ذات الجذور الموغلة في القدم.
توفي إخوته بعد الولادة إثر أمراض أصيبوا بها، كان هو باكورة الإنتاج التي علقت عليها آمال العائلة، فتضافرت الجهود لتربيته، وأصبح كل من هبّ ودبّ يساهم بقليلٍ من التوجيه المفيد، وكثير من التدخل غير المرغوب. كانت فاطمة أماً حنوناً حتى الدلال، الذي لم يكن يوماً ليليق بتربية رجل، وكان علي والداً صارماً حتى القسوة، التي راكمها في ابنه لعقود، وكان هو محل خلاف والديه حتى الانفصال، الذي تجاوز عمره سنوات الوفاق بينهما.
استمرت حياته بالوتيرة ذاتها، ولأن اتساع دور الأم وامتداده في حياة الأبناء أكبر، كانت الغلبة لفاطمة، فأسهم دلالها في الكثير من الطيش واللامبالاة، والدموع التي حفرت مجاريها على وجه الزمن ولياليه عندما كانت تخلو من ولد هو جوهر الاهتمام، وهو بدوره لم يبخل على أمه بالسهر والبحث في «السكيك» وعلى شاطئ البحر، وفي مجالس أهالي المنطقة مطولاً عن شاب هو كل ما تملك في هذه الحياة.
كان الزواج على ـ ما يقولون ـ أول خطوة في طريق الاستقرار، و«أبرك الساعات» تلك التي يحظى فيها الوالدان برؤية الأحفاد، فوقع الاختيار على ابنة خالته، التي كانت زوجةً وأماً وأختاً للعائلة بأكملها، واحتوت بدورها كل ما يصل إليه حنانها، وأخذت في طريقها كل ما من شأنه أن يفكك تماسك تلك العائلة، وصبرت على قدرِ جاد بأبناءٍ شغلوا حياتها كفاحاً وصبراً أثمر سعادةً تحسدها عليها الأخريات.
حينها لم يكن يدرك هو مسؤوليات الزواج، وعثرات الاستقرار التي لا تكاد تخلو منها أي حياة زوجية، فآثر الابتعاد، وألقى بتلك الواجبات على كاهلها، هي التي بدأت معهم من الصفر، تتعلم معهم، وتلقنهم مبادئ الحياة بجهد أعرج، كانت فاطمة أيضاً هناك، تربي وتحتضن الأم والأبناء تحت جناحها.
مرت الأيام سريعاً، وفي إغماضة عين كبر الأبناء، وكبر هو أيضاً، ولكنه هذه المرة كبر متأخراً فقد غاب كثيراً، وعاد متأخراً، حينها كانت فاطمة قد أسلمت الروح لبارئها، التحول الذي وضعه في جملة من التناقضات، ذاك الطفل المدلل الذي فقد أمه في غفلة طيش، والأب الذي اشتاق لدوره الفطري، والزوج الذي لم يدرك يوماً أنه شريك في التربية.
اليوم هو خمسيني، متقاعد، يقضي جل وقته في البيت، بينما ينشغل الباقون بأمورهم، الغريب أنه يبحث عنها دائماً، يحرص على أن تكون بقربه، يعرف كل تحركاتها، ويسهر على راحتها، يناديها أمي، ابنته المدللة التي يراها تختزل فاطمة بتفاصيلها، لها ذات الوجه واليدين وطريقة الكلام، ويعيش بصحبتها طفولةً بنكهة الأبوة التي جاءت متأخرة.
