أدارت مفتاح راديو السيارة لتبدد وطأة الانتظار، شاعرة بعدم جدوى خروجها مبكرة فهي لن تصل في الموعد المحدد، الطريق مزدحم ولا تكاد تتحرك السيارة مترا واحدا عن مكانها، جاء صوت المذيع الأجش وهو يتحدث عن حادث مروري، لكنه في البحر هذه المرة فقد اصطدم مركبان يحملان أسرتين خرجتا للنزهة.

حيث عرقل وجود أحد الجبال وضوح الرؤية فكان الحادث الكبير، لم يكن الخبر مشجعا على الاستمرار لكن اتصال أحد المسؤولين الذين تابعوا فرق الإسعاف جعلها تصغي بانتباه إلى خطاب لم تستطع أن تقبله؛ فقد قال الرجل: (نود أن نطمئن المستمعين إلى أن الحادث لم يسفر عن خسائر في الأرواح وإنما أصيب ستة عشر شخصا وخادمة بكسور وجروح خفيفة وتم نقلهم إلى المستشفى!). هل هذا معقول؟ هل قصد ما قاله وهل الخادمة مستثناة من البشر؟

تذكرت صديقتها وكيف انها قاطعتها لأنها لم تعاقب خادمتها على خلاف دار بين الصديقة والخادمة، بدأت تفكر بالخادمة الجريحة متسائلة هل نقلت إلى المستشفى كالآخرين وهل تم اختيار سرير لها خاص بالخادمات؟

انتبهت على ضجيج خارج سيارتها كانت حركة السير قد بدأت تعود إلى الحياة ببطء لكنها حركة على كل حال، وفاجأتها سيارة الإسعاف بصوتها المرعب وهي تشق طريقها بين صفوف السيارات لتصل إلى موقع الحادث وبدأت بالدعاء ألا يكون أحد قد أصيب بمكروه، وعادت لتذكر الخادمة المصابة ترى هل هي بخير؟، وهل هناك من جلس قرب رأسها ليدعو لها بالسلامة وينتظر انتهاء المحنة؟.

فكرت بطفلتها الصغيرة التي تتركها يوميا عند المربية أو الخادمة ـ كما يسمونها ـ ساعات طويلة وهي تعرف بالتجربة والمراقبة أن تلك المرأة أمينة على صغيرتها، بل إنها أحيانا تدلل الطفلة أكثر مما ينبغي، لذا تطلب منها المربية أن تكون صلبة مع الصغيرة فهي موجودة لترعاها لا لتكون طوع أمرها.

تذكرت أول مرة تركت طفلتها مع المربية حين اضطرت إلى مراجعة الطبيب بعد أسبوعين من ولادتها، وفي طريق العودة كان الازدحام على أشده كما هو اليوم، فراودتها الظنون، ماذا لو سرقت المربية طفلتها، أو سرقت البيت وتركت الطفلة وحيدة هناك؟ ماذا لو عذبت الصغيرة كما كانت تقرأ عن قصص الخادمات في الانترنت؟

وكثرت الأسئلة حتى كادت أن تفجر رأسها، بينما تتحرك السيارة ببطء شديد وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها نحو البيت، وكلما اقتربت جاءتها أسوأ التوقعات حتى كان السؤال المرعب ماذا لو كانت المربية من أكلة لحوم البشر وأكلت الصغيرة؟..

لم تستطع تحمل خيالها الأسود فبدأت بالبكاء والدعاء وما أن أوقفت سيارتها عند الباب حتى هرعت راكضة لتجد الصغيرة نائمة في حضن المربية بهدوء، بينما جلست المرأة بسكون كي لا توقظ الطفلة، فهدأت قليلا بينما قالت لها المربية بحنان يجب أن ترتاحي فوجهك شاحب جدا، ما زلت متعبة في بلادنا لا تخرج المرأة الوالدة حتى تكمل أربعين يوما، سأعد لك حساء خضار لتستعيدي قواك.

تجاوزت السيارة عنق الزجاجة، فانفرج الزحام، وفكرت أنها ربما من الأفضل أن تتصل بالمستشفى لتطمئن على الخادمة بدلا من كل تلك الأفكار المتعبة.

دلال جويد