انتقد علماء أزهريون الفتوى التي أصدرها جمال البنا الكاتب الإسلامي خلال حديثه في إحدى الفضائيات، والتي أكد خلالها أن الحجاب ليس واجبا بل إن ارتداءه أمر اختياري لأي امرأة في عصرنا الحالي؛ لأنه أمر خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وطالب علماء مجمع البحوث الإسلامية بمصادرة كتاب «المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء»، والذي أصدره البنا منذ بضع سنوات، وتضمن آراء حول الحجاب، مؤكدين على ضرورة محاكمة البناء قضائيا وفقهيا؛ باعتبار أن قوله إن الحجاب ليس فرضا هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، فضلا عن أن معظم كتابات البنا تتضمن آراء شاذة، واصفين جرأته الغريبة على الفتوى أنها طامة كبرى.

وقال الدكتور محمد أبو ليلة أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر إن الإسلام قد أوجب الحجاب على المرأة المسلمة كما أوجب عليها الصلاة والصوم والحج، وهى ليست مختارة في هذا الأمر، وذلك لقول الله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين).

حقائق وأدلة

ويضيف أبو ليلة قائلا: إن المعطيات التاريخية التي هي حقائق لا تقبل الجدل، نجد فيها أن المجتمعات القديمة كانت تلتزم بهذا الزي؛ بل هو زي من مستلزمات الفطرة وهو الذي عرفت به حواء بعد أن عرفت كيف تغطي سوءتها في الجنة؛ فهذا الزي معروف لدى المسيحيين واليهود وشتى الأديان، وكان سائدا بين العرب وقبل مجيء الإسلام؛ فهو ليس زيا خاصا بل جاء الأمر الإلهي به لعموم المؤمنات وليس زيا خاصا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تدحض هذه الإدعاءات.

حيث قال تعالى (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون)، هذه الآيات تم فرضها على المسلمين كافة فالله تعالى يقول (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهم ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبائهن...)، وبهذا نجد أن الآية الكريمة تأمر بغض البصر من الجنسين، وتأمر المرأة بحفظ الفرج وحفظ الزينة، وأهم زينة تتزين بها المرأة شعرها، ولذلك كان من المفروض على المؤمنة ألا تبدي من الزينة إلا ما ظهر منها، والمشهور لدى الفقهاء أن الوجه والكف هما المباح كشفهما.

ويؤكد أبو ليلة أن الحجاب ثابت بالحقيقة التاريخية والأدلة القرآنية والأحاديث النبوية وهو أمر ديني لا يجب المجادلة حوله والطعن في أحد الثوابت الإسلامية، فالزي هو الذي يميز أمة عن غيرها، كما أن لكل أمة زيها الذي تتميز به، ولغتها التي تتحدث بها، ولها فكرها الخاص؛ فلكل أمة لباس يميزها واللباس له علاقة قوية بالهوية.

انضباط خلقي

وتؤكد الدكتورة آمنة نصير العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر أن المجتمع الملتزم بأوامر الله عز وجل مجتمع ملتزم بعقائده، ويستطيع أن يتخطى العقبات التي تواجهه في الحياة لأنه عرف الانضباط، فالحجاب انضباط خلقي ومظهري تتحلى به المرأة المسلمة، ومما لا شك فيه أنه حينما تصل المرأة إلى هذا الانضباط تحس بكرامتها لأنها حفظت نفسها من العيون الجريئة والخبيثة في أن تتسلط على مفاتن جسدها أو ما تعرى منه، وهذا أمر مهم جدا نفسيا؛ سواء عند المرأة التي أدركت حصانة الحجاب أم عند المجتمع الذي وجد فيه هذا النوع من النساء المحجبات الطاهرات اللاتي يستطعن أن يخضن مجالات المجتمع في العمل ويخرجن في الطرقات دونما إثارة الرجال.

السباحة ضد التيار

ويؤكد الشيخ يوسف البدري - عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة أن الذين يحاولون أن يطعنوا في مشروعية الحجاب إنما يسبحون ضد التيار، وإنما يكون مثلهم كقول الشاعر:

كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ويضيف قائلا: القرآن الكريم واضح أشد من وضوح الشمس في سورتي النور والأحزاب، يقول تعالى في سورة النور (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن).

ويعقب البدري بقوله متسائلا: وهل هناك وضوح أكبر من هذا الوضوح الذي يصل إلى حد النهي عن ضرب الأرجل حتى لا تنكشف الزينة من أسفل؟! لقد قال تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، فالحجاب ثابت بالكتاب، أما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين».

وأما الإجماع فقد أجمعت القرون الثلاثة الأولى على أن الحجاب واجب وفرض في الصلاة لستر العورة، وأن الحجاب هو الذي يميز بين المسلمة وغير المسلمة، وأما القياس فهو ثابت فإذا كان الله تعالى قد أمر بستر العورة في الصلاة فأمر المرأة بعدم التبرج بتبرج الجاهلية الأولى (ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، فإن من باب القياس أن المرأة أمام الأجانب مأمورة بستر نفسها.

ويضيف البدري أن دعاة التغريب والذوبان في حضارة الغرب ممن أخذوا بالتكنولوجيا جعلت المسلمين يشعرون بالدونية والمغلوب دائما مولع بتقليد الغالب؛ فنقلوا عن الغرب إباحيته وظنوا إنه سبب التقدم التكنولوجي في الغرب قياسا خاطئا، بينما نسمع صيحات في الغرب لتحويل المرأة لمتعة رخيصة تعطر الأجواء بأنوثتها مما يحول المجتمعات إلى مجتمع حيوانات الهدف منها هو إشباع الشهوة الحيوانية للإنسان؛ ألا بئس ذلك من فكر محكوم عليه بعدم القبول من ذوي النفوس الكريمة أصحاب المعاني الكريمة والشيم النبيلة والنخوة والغيرة لله تعالى.