(دبي العطاء) شعار حملة فريدة في التاريخ الحديث، أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي قبل نهاية العام السابق 2007م.
لم تكن هذه الحملة ذات أهداف اعتيادية كالتي دأبنا على سماعها بين وقت وآخر عندنا، ولا من التي يعلن عنها في دول العالم الأخرى!
لم تكن تستهدف إغاثة شعب نُكب في فيضان، ولا مساعدة بلد دمره الزلزال، لم تكن من الحملات التي تتطلع إلى تنمية شعبنا أو الرقي بشبابنا وما أكثرها بفضل الله!
كانت حملة مميزة توجهت إلى التعليم، هدفها تعليم مليون طالب في العالم كله.
لم تحدد بلدا دون غيره، ولا ديانة دون أخرى، بل استهدفت مليون طفل فقير.
(فقير).. تلك الصفة التي تكاد تنتزع من المرء كل حقوقه في الدنيا بدءا من التعليم وحتى الابتسامة العفوية البريئة!
تلك الصفة التي تحرم أطفالا كثيرين من حق التعليم، وتجعلهم يتطلعون إلى غيرهم من الذين يتعلمون ـ إن استطاعوا أن يروهم ـ بحسرة وحرقة على أحوالهم ومصيرهم.
تلك الصفة التي تجعل حلم الواحد منهم قلما صغيرا وصفحة بيضاء وقميصا نظيفا ومقعدا خشبيا ولقمة صغيرة تعدل عنده الدنيا كلها وتحمل جُل فرحتها!
تلك الصفة التي تجعلهم يندبون جهلهم وينعون حياتهم التي توّجَها الفقر فأصبحوا يحاولون تدبير قوت اليوم الواحد بكد شديد وتضحية جسيمة.
تلك الصفة التي تجعل الصغار يفقدون سعادة الحاضر، ويخشون ظلمة المستقبل وهم لم تتفتح أزهار عمرهم الصغير بعد.
نالت الحملة إعجاب العالم كله وحق لها فهي تثبت اهتمام دبي بالعلم، وتبرز إيمان حاكمها بضرورته، واعتباره إياه السلاح الأول لمحاربة الفقر ومقاومة الجهل والخروج من هوة التخلف التي ألقيت في قاعها الكثير من الشعوب!
لكن اللفتة الأهم التي جعلت تقديري لها يزداد أضعافا أنها ولأول مرة تقدم حملة تستنقذ الناس من وهدة الجهل والفقر وتكون حملة إسلامية كبيرة يطلقها بلد مسلم ـ ولنا الشرف أنه بلدنا ـ يقدم الأموال ويوجهها نحو شعوب قد لا تمسه بها أي رابطة من دين أو هوية! وهي في الوقت نفسه حملة لا تستهدف إخراج الناس من دينهم، ولا تقدم لهم المغريات لتجبرهم على فعل ما لا يريدون أو ترك ما يؤمنون به استغلالا لحاجة إنسانية ملحة، لهم كل الحق في الحصول عليها دون مساومات أو تنازلات!
إنها حملة تتجاوز الأفق الضيق المنحصر في الإطار الجغرافي المعدود بآلاف من البشر إلى أفق واسع يحتضن في القلب ملايين البشر، بل كل البشر إن استطاع!
إنها حملة تسهم في إعادة التصور الصحيح للإنسان المسلم والبلد المسلم، فإنه هو الذي يعتني بغيره، ويهتم بالآخرين وإن لم يكونوا على دينه.. إنها تدعو إلى الإسلام الحق دون لسان ناطق، بل بفعل صامت يتحدث ببلاغة تفوق أفصح البيان.
هي حملة أخلاقية تربوية ودعوية قد تجذب إلى الدين الحنيف كثيرا من غير المسلمين حين يرون الأيادي الحنون تمتد لهم لتخرجهم من ظلمات الجهل ومهاوي الفقر، وحين يرون الأخلاق الرفيعة لأصحابها الذين لا يلحقون أموالهم بالمنّ والأذى، والذين يتميزون بلين الجانب ولطف المعشر والتعاطف مع كل ذي حاجة.
هي حملة تُوجه للمنسيين الذين لا تشملهم المبادرات العالمية التي تعنى بالأثرياء على قلتهم، وتغفل مليارات البشر ممن يعانون الفقر! وهي في الوقت نفسه قدوة للعالم كله ليتذكر جميع المحتاجين ويوفر لهم حاجاتهم الإنسانية الأساسية، ويساعدهم على الرقي بدل أن يغفلهم أو يراهم عبئا على مشاريعه وأحلامه المستقبلية.
هي حملة تبين للعالم كله أن الإسلام نموذج عال في الرقي وفي حماية الشعوب وقضاء حاجاتها، والتفاعل القوي مع الآخر المسالم، وهو نموذج فذ في بسط ظلال الخير والرحمة عليها. تميزت الحملة أيضا أن من شارك فيها ليس هم الأثرياء فحسب لكنها حملة ساهم فيها كل فرد سمع بها تقريبا لأنها قد وفرت إمكانية المشاركة فيها بدءا من 20 درهماً ودون تحديد لأعلى سقف لتفتح المجال أمام كل راغب في المساهمة.
شروق سلمان
