أدارت مفتاح مكيف سيارتها متذمرة من الشمس والحر والصيف، ساخطة على تلك الدقائق التي عبرتها من مكتبها إلى مواقف السيارات، وقد احتاجت دقائق أخرى مثل سابقتها ليكون الجو مثاليا داخل سيارتها الفارهة، تذكرت أحد أصدقائها الذي أطلق تسمية الفارهة على سيارته، قائلاً: «في الماضي وحتى اليوم يطلق الناس أسماء جميلة على الهجن، وهي وسيلة توصيل لذا قررت أن أعطي سيارتي اسما وكم أتمنى لو سجلوا اسمها في دائرة المرور».
بدأت تستعيد هدوءها وتحاول مقاومة الشمس بشتى الطرق، فقد أحضرت قفازين أبيضين ليحميان بشرة يديها، واختارت واحدا من أفضل الكريمات الواقية لتصد أشعة الشمس الحارقة بينما لم تستطع أن تظلل سيارتها بأكثر من ثلاثين بالمئة فهي لا تحب مخالفة القانون، وهكذا بدأت رحلة عودتها من العمل نحو البيت.
أزعجتها تحويلات أعمال الطرق الجديدة والبنايات التي تثير الغبار حولها، لكنها قدرت أن تلك الأمور تشكل مرحلة مؤقتة وستستعيد المدينة أناقتها، استمرت في طريقها وهي تهتم بقراءة اللافتات التحذيرية لتبتعد عن أماكن الخطر.
(عمال يشتعلون) لافتة صادمة لم تستطع النظر إليها على أنها خطأ إملائي وإنما عرفت أن الشمس تواطأت مع حال العمال لترفع نقطت الغين فتقلبها عينا على العمال الذين لم يتوقفوا عن العمل في عز حر الظهيرة الحارق، شاهدت العمال المشتعلين تعباً وحراً وفقراً، بكت وهي تتذكر تذمرها قبل لحظات من حر الظهيرة، وعرفت أن معاناتها لا تعني شيئا أمام هؤلاء المتصارعين مع الشمس من شروقها وحتى الغروب.
توقفت عند أقرب بقالة واشترت كمية من الطعام والعصائر الباردة والمياه وعادت نحو موقع العمل لتنادي العمال الذين كانوا ينظرون إليها بدهشة وهي توزع عليهم مشترياتها بينما كانت تعرف أنها تكفر عن جحودها لحياتها المسترخية وامتنانها للعاملين الذين شيدوا مبنى عملها المكيف بينما كانوا يشتعلون ويذوون من دون أن تدري بهم.
عادت إلى البيت مبتسمة على غير عادتها، فقد تعودت أسرتها حالة التذمر التي تأتي بها كل يوم حتى أنهم طلبوا منها ترك العمل لتتجنب تعبها اليومي، سألتها والدتها ما الذي حصل اليوم، هل ربحت بطاقة يانصيب؟
أم أن الشمس غيرت مواعيد شروقها اليوم، فأجابت : لك الحق أن تستغربي لكني اكتشفت اليوم كم أمتلك من النعم التي يحلم بها كثيرون غيري، وعرفت أن الدروس لا تأتي من المدارس فقط، وإنما قد تكون بانتظارنا على قارعة الطريق، فحتى الأخطاء اللغوية قد تكون إشارة إلى أخطاء تفكيرنا ورؤيتنا المشوهة لما حولنا، لذا تعلمت درسي اليوم وشعرت كم أنا محظوظة في تلك الحياة.
في اليوم الثاني عادت إلى عملها مكتظة بالحماس والمشاريع الكبيرة، مقررة تصحيح مسارها اليومي، لكن أول ما قامت به هو كتابة مذكرة بالأخطاء اللغوية الموجودة على ناصية إصلاحات الطرق ولم تنس أن تضع أول تلك الأخطاء لا فتة العمال المشتعلين، كما وجهت رسالة شكر إلى وزارة العمل التي منعت العمل وقت الظهيرة في شهري يوليو وأغسطس متمنية أن تشمل شهوراً أخرى ليست أقل اشتعالا من هذين الشهرين.
واصلت عملها بهدوء كبير، وعند نهاية دوامها حملت زجاجات الماء والعصير متوجهة نحو طريقها المعهود لتقدم للعمال امتنانها، وحين وصلت وجدت أن الإصلاحات انتهت وأن العمال انتقلوا إلى موقع اشتعال آخر، وربما لم يدركوا كيف غير عملهم نظرتها للحياة، وهم العمال أنفسهم الذين لم تستطع التواصل معهم لغويا فلا هي تعرف لغتهم ولا هم يعرفون العربية وربما لم يدركوا الخطأ اللغوي في اللافتة التي وصفت حالتهم بصدق، يقومون بعملهم راضين غير متذمرين لأنهم لا يمتلكون الوقت الكافي للتذمر.
دلال جويد
