السؤال كان في اليوم الأول للغياب خجولاً ولكنه كان يكبر في كل لحظات اليوم التالي.. والإجابات كانت بإيماءة من الرأس من قبل البعض أو برسم ملامح الدهشة والاستغراب على وجوه البعض الآخر، وحدها «أم ابراهيم» كانت دموعها تنسكب غزيرة كلما ألح أحدنا بالسؤال: أين هو؟ لقد تأخر كثيراً على غير عادته؟ عسى أن يكون المانع خيراً؟
الدكتور «حسين» كان يرد على سؤالنا بسؤال: ومن قال لكم إن «حامد» غائب أصلاً؟!
عندما التقيته للمرة الأولى، كان الألم ينهش معدتي جراء مبالغتي ذاك اليوم بالتهام وجبة دسمة أعدتها لي زوجتي بما يشبه المؤامرة عليّ لإفساد كل محاولاتي باتباع نظام غذائي، حيث أسعفني أحد الأصدقاء بسيارته إلى المستشفى، ويبدو أن الآلام الشديدة دفعت بالشك إلى قلب الطبيب المناوب بوجود شيء جدي وراءها ما جعله يعطي الأوامر بضرورة بقائي في المستشفى تحت المراقبة ليتم نقلي إلى إحدى غرف قسم الباطنية.
وما هي إلا لحظات حتى دخل شاب طويل القامة في أعقاب الممرضة الفلبينية التي سبقته لإعطائي الحقنة المسكنة، وعرف على نفسه بالقول: أنا حامد وسأكون إلى جوارك دائماً.. غادرت الممرضة وبقي الممرض «حامد» جالساً إلى جواري على السرير، ومتجاهلاً ومضات الألم التي كانت تظهر على وجهي سألني: لمن تحب أن تقرأ من الشعراء، فقلت له محمود درويش وأحمد مطر وكمال خير بك، فقال حامد بأن للأخير قصيدة قصيرة تدهشه كلما قرأها:
سأل الليل النهار، من أنا؟
قال أنا في ثياب الانتحار
زوال آثار المسكن كان يمنح الألم فرصة التجدد ما جعل يدي تمتد إلى الجرس المجاور لاستدعاء الممرضة التي حضرت على عجل وباشرت مهمتها، فيما بقيت عيناي معلقتين بالباب بانتظار دخول «حامد»، ولوهلة شعرت بأن الألم يزداد منسوبه رغم الحقنة المسكنة ولكنني نسيته تماماً عندما كان حامد يلج من الباب بابتسامة عريضة مقدماً اعتذاره عن التأخير،
قائلاً: اسف لأنني كنت مشغولاً بحالة الطفل «ابراهيم» الذي يتأرجح بين الحياة والموت جراء حادث السيارة الذي تعرض له أثناء عبوره الشارع المقابل لمدرسته و.. وعدنا إلى استكمال حوار ليلة أمس وقرأ لي مقاطع من «جدارية» محمود درويش التي كتبها عقب تجربة مجاورته للموت في أحد مستشفيات باريس، واتفق معي بأن هناك تشابهاً كبيراً بين فكرة الفيلم السينمائي «لقاء مع جوبلاك» والجدارية في أنسنة الموت، ولكننا اختلفنا حول من سبق الآخر.
لا أدري كم من الوقت انتظرت عودته لأنني عندما أفقت من نومي كانت الممرضة تضع وجبة الغداء على الطاولة، وبحذر شديد تناولت بعض اللقيمات وتمددت على السرير مجدداً وباشرت القراءة في كتاب مذكرات «نيلسون مانديلا» الذي أخذني بعيداً إلى حقول الملح في جزيرة «روبن» حيث اعتقل لأكثر من 24 عاماً فيها.
ولم يفك أسري من حقول الملح في جزيرة «روبن» سوى صوت حامد الذي كان يطرق أذني بقوله: الحمدلله لقد نجحنا في إنقاذ «جمال» في اللحظة الأخيرة، وولج الغرفة معتذراً مرة أخرى بأن أكثر من حالة طارئة واجهته في يومه العصيب هذا، وعدنا مجدداً إلى الحديث نفسه، ولم أنتبه إلى ومضات الألم في وجه «حامد» لأنني كنت مستغرقاً في قراءة قصيدة «شتاء ريتا الطويل». وتوقف مطولاً عند المقطع الذي يقول فيه: «والحب مثل الموت وعد لا يُرد ولا يزول» وبقي يردده وهو يودعني بحرارة لافتة: تصبح على خير، قالها ومضى..
في اليوم التالي جاءت الممرضة مرات ثلاث تحمل معها الوجبات، ولم يظهر حامد سألت عنه، ولا إجابة.. ولم أفاجأ برؤية «خليفة» في غرفتي قادماً للسؤال عن «حامد» وكذلك الحال بوالد «جمال»، فقررنا الذهاب لسؤال أم «ابراهيم» ولكنها اكتفت بالبكاء.. الدكتور «حسين» استغرب سؤالنا عن سر غيابه، بالقول: حامد لم ولن يغيب و.. و أشاح بوجه عنا حتى لا نرى شيئاً ما خضّب العيون، ثم عاد وقال لي بأن حامد لم يكن إلا نزيلاً في المستشفى يعالج من آثار المرض الخبيث الذي انتصر عليه صباح اليوم في وقت مبكر.
خالد اللوباني
