كانت المفاجأة عندما اقتحمت هي عالمهن الذي اعتدن عليه، وحفظن شخوصه عن ظهر قلب، ورسمن ملامحه التي تتفق ورغباتهن، أولى خطواتها كانت باتجاه الطاولة، هي مدرسة برتبة طالبة، تقاربهم في سنوات العمر، تسعى لتغيير صورة المعلم السائدة، والحياة بالنسبة لها تشبه الفصل الذي دخلته للتو، عالم لا يزال قيد الاكتشاف والتنقيب، مبادئه قابلة للتغيير، والكل فيه في طور النمو، وفي نظرهن هي عالم مجهول، يميلون لاكتشافه وسبر أغواره بفضول ساذج وإلحاح متطفل.
يدور الحديث في أحد فصول الصف الثامن، تبادر هي بالكلام وصدى وصية أبلة الناظرة لا يزال يتراءى لها بين وجوه الطالبات، في محاولة لكسر حاجز التعارف الذي يتنامى بينما تطيل النظر في وجوههن، «لاتنسين، كوني شديدة وياهم، الانطباع الأول وايد مهم، خليهم يخافون منج عشان يحترمونج، البنات ما ينعطون ويه».
مر التعارف بسلام لم يخل من بعض الطرافة المتعمدة هنا وهناك، «معلمه، وين بيتكم؟»، «أبله أي فريق تشجعين؟»، يبدو أن نظرات الحزم التي بدت على محياها لم تكن لتردع هجوم أسئلة متطفلة، لا ترمي سوى إلى لفت الانتباه.
الأيام الأولى تشهد صراعاً نفسياً، ورغبة بالسيطرة من كلا الطرفين، الوضع أشبه بمباراة لابد أن يحقق أحدهما الغلبة فيها، الطالبات لا يبدين استجابة تذكر نحو الدرس، والمعلمة تحاول السيطرة من خلال ممارسات تراها الأنسب، فالإهمال من طرفهن واضح.
لا مبالاتهن جعلتها تلتجئ إلى سلوك ارتأته هي طريقة للمعالجة، «اللي ما حفظت، تنسخ الدرس 50 مرة»، ولكن دون جدوى، فالفجوة تتسع، والصراع مازال على أشده، الناظرة تستجيب لشكاوى الطالبات، وتلغي عقاب المعلمة، لتهتز صورتها، وتعود إلى نقطة الصفر.
مرت أيام هدأت فيها العاصفة، قبل أن تشهد العلاقة تحولاً فاجأ الجميع، وخالف التوقعات بفشل أي محاولة للتناغم والانسجام، لم يكن ذلك بالحسبان، إلا أن الهوايات المشتركة، وإنسانية العلاقات، هي خطوط التقاطع مع الآخر، التي من شأنها تذويب الخلافات ورسم ملامح التقارب.
بعد عدة محاولات، أدركت هي أن لكل منهن جانباً قوياً، حرصت على إظهاره، وتعزيز جدواه، «اليوم كلنا نشجع فريق السلة، وضحى وحنان ومريم ومنال، وسارة وعهود، فازوا في المباراة، يستاهلون هدية، وبهالمناسبة، الصف بيسير رحلة للحديقة».
خضعت الطالبات بعدها لاختبار في مقررات المادة، والجميع حققن علامات جيدة، تمثلت في تضاؤل نسبة الرسوب، وارتفاع المعدلات عن سابقاتها، في اليوم التالي تفاجأت هي بكم الورود والهدايا التي اصطفت على مكتبها بعد توزيع أوراق الامتحان، لا شك أن الإخلاص كان سبباً في ذلك، وأساساً لأي نجاح.
سلمت هي بعدها بأن التجارب في الحياة لا تتشابه، ولا تخضع لقوانين في قوالب جاهزة، يتم اتباعها حرفياً، فالعلاقات بالأشخاص والأشياء هي جوهر العمل. انقضت فترة غير يسيرة، ذللت أمامها الصعاب، ووسعت آفاق المهنة، صرخة من غياهب الممر تقطع تأمل التجربة، تلك علياء، التي تجلس في آخر الفصل، أكثر الطالبات هدوءاً، وأقلهن تفاعلاً، تركض والدموع تفر من عينيها، ترمي بثقلها في أحضان المعلمة، «معلمة لا تروحين، الله يخليج لا تروحين، انا استويت أحب الإنجليزي من يوم انتي درستينا».
أخيراً، بعد ابتسام التجربة، ووضوح معالم الجهد فيها، ولأنها الأكثر تأثيراً، آثرت هي أن تبقى تلك الصفحة بيضاء، لا تعكر صفوها الأخطاء، برغم كل عثراتها، وهزائمها، ودّعت المدرسة وسط أكوام الهدايا والورود، وبعض من بقايا ذكريات، ودموع على مقاعد الدراسة.
أمل الفلاسي
