تشابه الأيام لم يكن سوى سبب إضافي للسأم الملازم لي في ذلك اليوم، فقد أنهكني التعب من الترتيب عالي المستوى في بيتي حيث كل شيء في مكانه دوماً.. مقص الأظافر، الحذاء البني يلي الأسود، البذلة السوداء تليها ذات اللون الكحلي، ثم الرمادية.
حاولت كثيراً وضع الرمادية قبل السوداء إلا أن الأيدي الواثقة من نفسها كانت تعيد كل شيء إلى مكانه، وحتى فرحتي التي كادت أن تكون كبيرة ذاك اليوم تكسرت بشكل مدوٍّ عندما بحثت عن مقص الأظافر ولم أجده فقررت كسر الرتابة بافتعال معركة مع زوجتي لأنني لم أجده في مكانه، المحاولة فشلت عندما ردت زوجتي على عصبيتي المفتعلة بهدوء طالبة مني الانتظار قليلاً حتى يكمل ولدي قص أظافره..!.
الخروج من المنزل كان الحل الأمثل لمغادرة الحالة المستفحلة رغم أن المكان الوحيد لتفريغ الشحنات السلبية (كورنيش البحيرة) كان بدوره جزءاً من الرتابة بالنسبة لي أيضاً لأنني أمارس الرياضة يومياً على دروبه منذ سنوات، وكثير ممن سأشاهدهم يسيرون في المكان اليوم كنت وما زلت أشاهدهم منذ سنوات... فتلك السيدة التي تسير بسرعة متناهية بهدف إنقاص وزنها ما زالت تسير كل يوم بنفس السرعة أسوة بوزنها الذي يزداد.. بالسرعة نفسها.
وذاك الشاب الذي يسير وهو يضع جهاز الراديو على كتفه مردداً كلمات الأغنية الهندية بصوت مرتفع كان أيضاً مشهداً مكرراً، وغير هذه المشاهد كثير، ومع ذلك ركبت حصان السأم وانطلقت.. اهتزاز الهواء بجانبي بفعل مرور سيدة مسرعة، وصوت مزعج يردد أغنية هندية لم يمنحاني أي شعور بالفضول للالتفات للخلف، فواصلت السير حتى شعرت بالتعب فآثرت الجلوس على واحدٍ من تلك المقاعد في نهاية الكورنيش الخالية من الجمهور في محاولة للانفراد بنفسي.
هذه المحاولة التي فشلت سريعاً عندما أمّ المكان رجل وامرأة (تبينت لاحقاً أنهما زوجين) وجلسا على المقعد المجاور لي.. و.. متجاهلاً وجودي صاح الرجل بالسيدة: لم أعد قادراً على الاحتمال أكثر، خاصة وأنك لا تكترثين مطلقاً لمشاعري أو لآراء من يزورنا من الأهل والأقارب أو من الأصدقاء.. فردت قائلة: أنا غير معنية مطلقاً برأي الآخرين، لأنني لا أصوغ حياتي تبعاً لآرائهم.
فرد عليها بغضب: ولكنهم يتحدثون عن قضية جوهرية ومن باب الحرص والمحبة، وليس من قبيل النميمة والتدخل في شؤوننا العائلية.. فقالت: أستغرب أن يكون هذا رأيك، مع أن المعركة الأخيرة التي أشعلتها والدتك في منزلنا ليست ببعيدة كثيراً ولم نتجاوز آثارها إلا بصعوبة.
فرد عليها: في الواقع نحن لم نتجاوز الآثار لأن الأسباب ما زالت قائمة.. فالتفتت إليه وبصوت مرتفع قالت: هذا يعني أنك كنت تخدعني خلال الفترة الماضية عندما قلت لي بأن كل شيء انتهى..وبصوت متهدج قال: لم أكن أخدعك بل كانت محاولة مني لتهدئة الخواطر، وعدم التصعيد.
الرجل اكتفى بالصمت فيما تابعت هي بعنف: في الواقع أنا التي لم أعد قادرة على الاحتمال والتعايش معك ومع اسرتك.. الرجل نظر إلى زوجته مطولاً، ثم أطرق برأسه لفترة ليست بالقصيرة وهو يستمع إلى بكاء زوجته الحار.. وفجأة انتفض واقفاً، وقال لها بصوت واثق: يبدو أنه لا فائدة منك، فها أنت تتهمين الجميع بالتآمر والتدخل في شؤوننا العائلية، وكل ذلك لأن الجميع يطالبونك بالالتفات لنظافة منزلك بدلاً من التسكع في مراكز التسوق وفي بيوت الصديقات.
ومنح المنزل بعضاً من الوقت الذي تقضينه أمام المرآة، وتابع قائلاً: اسمحي لي أن أقول لك كلمتين حاولت كثيراً تجنبهما: أنت طالق.. وغادر المكان مسرعاً.. فيما غادرت هي بعد أن نجحت جزئياً في كفكفة دموعها.. وبقيت وحدي مجدداً، ولكن مشاعر جديدة انبثقت في داخلي دفعتني للهرولة عائداً إلى المنزل متأملاً الجميع بعمق على الكورنيش حتى السيدة المسرعة وحامل الراديو الهندي الذي شعرت أن صوته جميل في هذه اللحظات.
نظرة زوجتي الحانية إلى لحظة دخولي إلى المنزل أشعرتني بالخجل من أفكاري السابقة، وفيما عادت هي إلى طي الملابس، توجهت أنا إلى حيث مقص الأظافر وباشرت بعملية «التدريم» مختلساً بين الفينة والأخرى نظرة إلى زوجتي التي كانت تواصل عملها بهدوء.
خالد اللوباني
