كان الانتظار في البنك طويلاً اضطررنا إلى الجلوس في مقاعدنا متأففين ناقمين على الوقت الذي ينساب من بين أصابعنا كالماء فلا يمكن أن نمسكه أو نتغلب عليه لذا نحاول تزجيته بالنظر إلى لوحة الأرقام آملين أن ينادى علينا قريبا، خاصة اننا تحولنا إلى أرقام فقط في هذا المكان، ومع ذلك فنحن تقبلنا الفكرة لأنها عملية تنظيمية لا تترك مجالاً للتدافع أو الوقوف في طوابير على شاكلة طوابير البيض في الأفلام العربية القديمة والتي يبدو أنها ستعود مع شح البيض هذه الأيام.
قررت أن أقضي وقتي بمراقبة الآخرين والتلصص على اهتماماتهم، لكن الرجل الضخم يحجب المشهد أمامي فلا أستطيع أن أتابع حركات موظفة البنك المتأنقة ذات الخواتم الكبيرة، بينما لفت نظري رجل آسيوي كان يقضم أظافره بتوتر بالغ، بينما كانت المرأة كبيرة السن تمشي بتمهل يرافقها شاب يبدو أنه أحد أحفادها، وقد لاحظت أنها دخلت إلى مكتب المدير مباشرة.
استسلمت لحالة الانتظار بينما جلست بجانبي سيدة أربعينية كانت هي الأكثر توترا وبدا أنها ترغب بالحديث لتزجية الوقت أو ربما للتخفيف من توترها، فبادرتها بالسؤال عن سبب مراجعتها البنك، وأجابتني منفعلة «لقد أخذوا مني مصروف الشهر».
وظهر التعجب على وجهي لكني انتظرت أن تكمل حديثها فتابعت «أنا من الناس الذين لا يحبون التعامل مع البنوك ولا يثقون بها فلا أعتقد أن البنك يحبنا ليحافظ على أموالنا وإلا كيف تكون رواتب موظفيهم هي الأعلى ما لم تكن أرباحهم كبيرة وهي تؤخذ من جيوبنا؟» فقلت «أعتقد أنك تبالغين، ولكن أخبريني كيف أخذوا مصروف الشهر؟».
قام الرجل الضخم من مكانه وشاهدت الموظفة الجميلة مبتسمة بينما أجابت صاحبتي بعد أن أطلقت زفرة طويلة «كل شهر عندما يذهب الراتب إلى البنك أسحبه كاملا وأقسمه إلى أقسام منها قسط المدارس والإيجار والكهرباء والبترول ومصروف الطعام والملابس والتسوق واحتفظ بالمال في خزانتي فأعرف ما عندي حتى آخر الشهر.
لكني هذه المرة عملت بنصيحة إحدى الصديقات وأبقيت الراتب في البنك ودفعت ما علينا من التزامات وتسوقت بشكل سليم ولم يبق في الحساب إلا ألف درهم أكمل بها بقية الشهر، وحين ذهبت قبل يومين للتسوق قررت أن اسحب المبلغ لأنظم تسوقي ويكون عندي سيولة أتصرف بها، لكني فوجئت بماكينة السحب تظهر لي رسالة عدم إتمام العملية.
وقررت أن أحاول مع ماكينة أخرى فظهر أن المبلغ سحب من رصيدي، وبقيت في السوق لا أمتلك المال ولا أعرف ماذا أفعل، وبعد اتصالات معقدة مع موظفين غير عرب قررت أن آتي بنفسي إلى البنك ليحلّوا مشكلتي فأنا لم أتعود الاستدانة وقد نظمت حياتي بشكل يجعلني لا أحتاج أحدا.
وأنا والله أعاني كثيرا لأوفر احتياجات أطفالي لأني أرملة ولدي أطفال في المدارس لا يريدون أن يظهروا أقل من أصحابهم لذا أقصر في احتياجاتي وأوفر لهم حاجاتهم». بدأت الدموع تترقرق من عيني السيدة وبينما كنت أحاول تهدئتها كان دورها قد حان فذهبت مسرعة لتحل مشكلتها وتعود إلى الدوام الذي استأذنت منه لساعتين فقط.
دلال جويد