بين مخاوف أهالي منطقة الجزيرة الحمراء والدهشة التي تراود مرتاديها والحيرة التي تحل ضيفا دائما عليهم، فإن النتيجة واحدة. فالجزيرة الحمراء تقع شرق مدينة رأس الخيمة، وتعد من أهم المناطق الأثرية في الإمارات والتي تسجل مرحلة مهمة من تاريخها بين فترة الخمسينات إلى الثمانينات، وهي حاليا تقع ضمن أهم المناطق ذات الأنشطة السياحية في الإمارة، ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه ما مستقبل سكانها ومصير هويتها وتراثها العريق؟

يقول رشاد بو خش مدير إدارة التراث العمراني ببلدية دبي ورئيس جمعية التراث العمراني: زار وفد من المسؤولين عن حماية التراث العمراني في الدولة منطقة الجزيرة الحمراء، وأدركوا أهمية هذه المنطقة من الناحية التراثية والأثرية، لأنها تعد قرية أثرية متكاملة المعايير وهي ذات معالم واضحة لم يمحها الزمن بسهولة، وتمثل في نفس الوقت وبصورة جلية حقبة تاريخية مهمة من تاريخ الدولة.وبالفعل قابلت إدارة الجمعية المسؤولين في إمارة رأس الخيمة وعرضت عليهم خدمتها للمحافظة على هذا الموروث المهم، حيث تضم الجمعية أكثر من 1400 خبير يتمحور عملهم من خلال مسح المنطقة وتقييم المباني وتأهيلها وترميمها بمهنية عالية، ولكن لم نحصل على أي رد فعل بخصوص هذه الخطوة التي ستكون بالفعل في صالح التراث العمراني في المنطقة وستصبح مصدرا مهما للدارسين والباحثين في تاريخ الإمارات.

وفي لقاء مع عبدالناصر بن عمران رئيس فرع جمعية التراث العمراني في رأس الخيمة قال: قامت الجمعية بترميم عدد من المناطق الأثرية في رأس الخيمة وبجهود فردية، وقد نجحنا في ترميمها سعياً منا في تفعيل المبادرات للحفاظ على الموروث الذي يعكس تاريخ المنطقة. ولكن المشكلة بالنسبة لمنطقة الجزيرة الحمراء هي ملكيتها التي تعود لأكثر من جهة وهم السكان الأصليون، وهنا تكمن صعوبة الموقف. لذا يجب على الجهات المسؤولة النظر في هذه المسألة كما حدث في مناطق أثرية كثيرة حيث تم تعويض الناس بمبالغ مادية مثل منطقة البستكية في دبي.

وفي لقاء مع كرستيان منقب آثار ألماني قال: لقد عملت في مسح وتنقيب المناطق الأثرية في إمارة رأس الخيمة لفترة طويلة، ولقد شدتني منطقة الجزيرة الحمراء بشكل خاص إذ انها من المناطق الأثرية الساحلية المهمة في العالم والتي تظهر عليها عمليات تصدع غير موجودة إلا في مناطق محددة في العالم، ورغم إحساس الجهات المسؤولة بأهمية المنطقة جيولوجيا وتاريخياً وأثرياً إلا أنني أرى التأخر في حسم امر هذه المنطقة.

ومن جانبه قال ناصر الكاس مدير جمعية بن ماجد للفنون الشعبية والتجديف: يجب علينا زيادة الاهتمام بالتراث في المنطقة لما تحمله في طياتها من مقتنيات تاريخية وأثرية يعود أصلها لمرحلة مهمة في تاريخ الإمارات، والتي يتوضح على جدرانها الظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها.

ويقول علي بن أحمد وهو أحد أهالي المنطقة وقد أشرف على بناء المسجد الواقع في قلب القرية الأثرية في فترة السبعينات، لقد قمنا ببناء هذا المسجد والعديد من المباني الأخرى في الجزيرة الحمراء من الطين والمواد الأولية البسيطة التي كانت متاحة في تلك الفترة، وهي لا تزال موجودة بكل معالمها حتى الآن عكس المباني التي لم تستطع تحمل ساكنيها أكثر من 20 سنة، ورغم القيمة الكبيرة التي تجلبها هذه المباني إلا أن هناك تقصيرا بحق هذا التراث الذي يعكس صور الحياة في ذلك الوقت.

وتقول المواطنة عاشة بنت يوسف لقد كبرنا وتربينا في هذه المنطقة ونحن ننتمي لها كما هي تنتمي لنا، وانظر إلى أهلها الأصليين الذين أخذتهم الحياة للعيش في أماكن أخرى، فهم في النهاية يرجعون إلى هذا المكان، وكما ترون فالمنطقة أصبحت ملجأ للعمالة.

ويقول المواطن عبدالله الزعابي تارة يقولون بأنهم سيزيلون المنطقة وتقام مشاريع سياحية ضخمة فيها، ونحن بالفعل صدقنا هذه الرواية لان المشاريع السياحية تحيط بالمنطقة من جميع الجهات، وللأسف لم تعد المنطقة آمنة للعيش، فنحن لا نطمأن لخروج الأطفال من البيت، بسبب انتشار العمالة الوافدة بشكل لا يوصف، طبعاً بحكم عملهم في المشاريع المحيطة بنا، ومن جانب آخر يقولون انه سيقام مشروع تراثي مهم على خارطة الإمارات بإعادة تأهيل المنطقة التراثية.

وتقول المواطنة أم محمد: لا نريد أن يؤول بنا الحال كما حدث في مناطق أخرى بسبب الشاحنات والمصانع القريبة من الأحياء السكنية، فعدد الشاحنات يزيد يوماً بعد يوم، ويجب ان أقول هنا إننا لسنا ضد التطور والتقدم والاستثمار التجاري والسياحي، بل هذا هو الحل السليم للجميع حكومةً وشعباً، ولكن نريد أن نضمن سلامتنا وأمننا في المنطقة، فمنذ فترة ليست ببعيدة وقعت جريمة قتل تعد الأولى من نوعها في المنطقة بسبب احد العمال، وقد انتابنا الذعر وبدأنا نقلق على أطفالنا من الخروج لوحدهم، ناهيك عن الحوادث المتكررة التي خلفتها الشاحنات وناقلات مواد البناء وغيرها.

ويقول المواطن عبدالله أحمد نحن فرحون بما نراه أمامنا من تطوير وتحديث للمنطقة خاصة وأنها ستجعل من المنطقة التي ولدنا وكبرنا فيها أهم المناطق في البلاد والتي ستجذب أهالي الإمارات الأخرى والسياح، ولكن الخوف الحقيقي يكمن في مصيرنا، أين سيؤول بنا الحال في المرحلة المقبلة، خاصة وأن المنطقة أصبحت تقع بين مشاريع سياحية بالفعل، وأصبحت الجزيرة سكنا للعمال، فأعداد العمال في تزايد مستمر حتى أنني أصبحت اشك ان عددهم يفوق عدد سكان المنطقة.

ويؤكد المواطن يوسف الزعابي قول الآخرين ويضيف لقد أصبحت المنطقة مستعمرة للشاحنات ومستوطنة للعمالة، فهم أصبحوا يفوقوننا عددا وهذا يشكل خطرا كبيرا على سلامتنا في المنطقة، ورغم الحملات التي اتخذت في وقت سابقة في باقي إماراة الدولة لضبط سكن العمالة الوافدة في المناطق السكنية، إلا أنه لم يتخذ أي إجراء من نوعه في منطقتنا فأعدادهم في تزايد مستمر.

ومن جهة أخرى قال مبارك الشامسي مدير بلدية رأس الخيمة إن المنطقة قد دخلت في مخطط تطويري كمنطقة سياحية، فهي في أهم المناطق السياحية في الإمارة، والتي نتوقع لها مستقبلا سياحيا ممتازا خلال الأعوام المقبلة، سواء من خلال المشاريع السياحية الساحلية التي اتخذت المنطقة مكانا لها، أو من خلال المنطقة الأثرية التي ستجذب ولاشك السياح وابناء الإمارات الأخرى. وأكد بلال البدور المدير التنفيذي للثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع من خلال أسبوع التراث العالمي، على أهمية التراث العمراني في مختلف مناطق الدولة، باعتباره يشكل بعداً ثقافياً.

توثيق

قال حمد المنصوري.. رئيس مجموعة مواهب للتصوير: تعد الجزيرة الحمراء من المناطق الحافلة بالمباني الأثرية التي يجب المحافظة عليها، حيث نظمت المجموعة رحلة للجزيرة منذ اقل من سنة لتصوير المنطقة بعد ما سمعنا عنها، وبالفعل توجه 80 شخصا من المجموعة إلى المنطقة وقضينا يوما كاملا في التصوير بهدف توثيق هذا التراث الذي يرجع لمرحلة قيمة من تاريخ الإمارات.

دبي ـ عزة الجسمي