في إطار الفعاليات الاحتفالية التي تقيمها ندوة الثقافة والعلوم في إمارة دبي بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيسها، كان عشاق المسرح على موعد مع العرض المسرحي «البقشة»، الذي قدمته فرقة المسرح الحديث في الشارقة على مسرح المقر الجديد للندوة.
وكان لقاء دافئا مفعما بالحيوية والتفاعل جمع بين مؤلف العمل إسماعيل عبد الله ومخرجه أحمد الأنصاري وممثليه حسن رجب، مرعي الحليان، موسى البقيشي، جمال السميطي وجاسم خزار من جانب وجمهور تواق إلى الاطلاع والوقوف على المستوى المشهود الذي بلغته الحركة المسرحية في دولة الإمارات العربية المتحدة وإلى الاستمتاع بهذا الفصل من تجربة فرقة المسرح الحديث في الشارقة، التي باتت تشكل إحدى أهم الحلقات المركزية في المشهد المسرحي على المستوى العربي من جانب آخر.
من ناحية المكان، تدور أحداث المسرحية في مقهى يقع في أحد أحياء مدينة عربية ما، أما الزمان فهو الوقت الحالي، في حين ينتمي أبطالها إلى بعض الشرائح الاجتماعية المتباينة التي تربط فيما بينها علاقات يمكن وصفها بالمتقلبة بحيث تتأرجح بين التقارب والمودة حينا والتنافر والتباعد في أحيان أخرى وذلك تبعا لما ينتاب أفراد كل واحدة منها من عواطف ومشاعر ليست مستقرة بدورها، فتارة نرى الود هو سيد الموقف في تلك العلاقة وتارة أخرى نجدها متباعدة إلى درجة التنافر.
بيد أن هذا الملمح، الذي قد يبدو سلبيا من الوهلة الأولى، ربما يشكل العنصر المشرق الأول الذي يمكن تسجيله لصالح عناصر المسرحية الأساسية الثلاث النص، الإخراج والممثلين. فعلى الرغم من تأرجح تلك العلاقة، إلا أن سائر هذه الشرائح الحاضرة في المسرحية تجد نفسها منشدة بقوة إلى «البقشة» (الصرة) وإلى معرفة ما تخبئه في بطنها من مفاجآت وأسرار، عندما تتكشف خيوطها الأولى تنجلي أمام عيون الجميع حقيقة واقعهم الاجتماعي والسياسي وارتباطاته الخارجية.
مخرج «البقشة» أحمد الأنصاري يؤكد أن العمل المسرحي يجب أن يعتمد، في المقام الأول، على «شعبية الحكاية»، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار عدم الغرق في المحلية، وذلك مرتبط بمدى دقة اختيار النص المسرحي الذي كلما لامس هموم الناس ومشاغلهم، كان أقرب إليهم، الأمر الذي يوجد بيئة تفاعلية بين مجموع مكونات العمل المسرحي والجمهور المتلقي، الذي يشكل إحدى ركائز المسرح، على حد تعبير الأنصاري.
وحول جديد فرقة المسرح الحديث في الشارقة، خص مخرج «البقشة» جريدة «البيان» بسبق صحافي حين قال إن الجمهور على موعد، في الفترة المقبلة، مع عرض مسرحي جديد يحمل عنوان «مياد ير» وهو من تأليف إسماعيل العبد الله ومن إخراج أحمد الأنصاري وسيؤديه فريق الممثلين نفسه مع بعض التغييرات الطفيفة، حيث سينضم إليه الفنان الإماراتي محمد إسماعيل.
كما أكد أن هناك خطة متكاملة لعروض هذه المسرحية الجديدة تشمل العديد من العروض المحلية والعربية والعالمية، والتي سيبدأ تنفيذها بعد انتهاء الموسم المسرحي في الدولة الذي يبدأ في 12 يونيو ويمتد لمدة شهر ونصف الشهر، حيث سيكون هناك ستة عروض محلية بعدها ينتقل فريق العمل لعرض المسرحية في بلدان خليجية وعربية وربما عالمية أيضا.
وعلى الرغم من أن الأنصاري عبر عن شعوره بعدم وجود رضا كامل حيال التجربة المسرحية الإماراتية من ناحية نوعية الأعمال التي تعرضها، إلا أنه أكد وجود نوع من الارتياح والرضا النسبيين على هذا الصعيد، ذلك أن هذه التجربة الفنية «لا تزال نقية وبعيدة عن الشوائب وتعتمد على الاختيار الدقيق للأعمال، التي تقر بمقدار ملامستها لهموم وانشغالات الإنسان».
كما يرى أن المشكلة تكمن في أن هناك «نوعاً من القصور في التواصل بين المسرح الإماراتي والجمهور المحلي، حيث يمكن القول إن ذلك يعود إلى عدة أسباب». ذلك أن هذا المسرح كان يلقى إقبالا منقطع النظير وعجيبا في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، فلقد «كانت الصالة تحجز لمدة يومين أو ثلاثة أيام بشكل مسبق وذلك لأنه في ذلك الوقت لم يكن هناك الكثير من المغريات الحالية.
التي يتمتع بها المواطن على غرار مهرجانات ومراكز التسوق، كما كان المسرح يعتمد على طرح القضايا الاجتماعية التي تهم الناس وكان الاختيار يقع على النصوص الشعبية وكان لكل فرقة مسرحية موسمها الخاص الذي يمتد من عيد الفطر إلى عيد الأضحى، حيث قدمنا العديد من الأعمال الناجحة مثل (أبو محيوس) و( للكبار بعد تحية) و( دبابير)».
حول المرحلة الحالية التي تمر بها هذه التجربة المسرحية، أكد الأنصاري ضرورة بذل المزيد من الجهود للنهوض من جديد بالمسرح الإماراتيين عن طريق الابتعاد عن المنظور النخبوي في العمل المسرحي، وقال: «في أيام الشارقة المسرحية، على سبيل المثال، يتم اختيار النصوص على مقاس المهرجان لجمهور نخبوي ولعروض خاصة».
دبي ـ باسل أبو حمدة
