تعودوا على هذه اللعبة الخطرة منذ نحو عامين فقد كانوا يسرقون السيارات ويبيعونها كقطع غيار إلى بعض الكراجات أو أصحاب السكراب.
كانت تجارة مربحة رغم خطورتها، إلا أنهم أحبوها فكل سيارة يبيعونها توفر لهم السهر في الفنادق لمدة أسبوعين أو ثلاثة إضافة إلى ما يكفي لشراء الخمر كانت الأجهزة الأمنية قد تلقت بلاغات عدة حول السيارات المسروقة، لكن لم تكد تراقب منطقة معينة حتى تظهر سرقة في منطقة أخرى أو في مدينة أخرى.
الهدف أصبح أكبر
رأت هذه العصابة المكونة من الصديقين (أ) و(س) وسائق شاحنة ان من الأفضل توسيع نشاطهم وبدلاً من سرقة سيارة في الشهر، القيام بسرقة سيارتين أو ثلاث وأن تكون هذه السيارات من أفضل أنواع السيارات وأغلاها ثمناً، عندها سيكون الربح اكبر ويمكن تحقيق أهداف أكبر وهي السفر إلى الخارج والاستمتاع بكل شيء هناك.
بدأت الفكرة قابلة للتطبيق خاصة وأنهم قاموا بسرقة عشرات السيارات في المرات السابقة ولم يتم اكتشافها لذا وضعوا نصب أعينهم السيارات الفارهة.
في أحلك الليالي بينما كانوا يتجولون كعادتهم وجدوا أمامهم سيارة مصنوعة في ألمانيا وكانت السيارة جديدة وكأنها قد خرجت من الوكالة لتوها.
أمعنوا النظر وتحدثوا بعيونهم وكأنما يقولون هذا هو الصيد الثمين، اقترب احدهم من السيارة ذات الدفع الرباعي لمس بيده غطاء المحرك فوجده بارداً، ترك السيارة لأكثر من ساعة ثم عاد إليها ولمس غطاء المحرك بيده فوجده بارداً عندها تأكد حسب خبرته بأن صاحب السيارة يجلس في بيته ولا ينوي الخروج خاصة .
وان الوقت قد أصبح متأخراً بدأت عملية المراقبة، كانت كل المؤشرات توحي بأن لا أحد يلاحظ تصرفات الصديقين الشقيقين، تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، اقترب احدهما من النجاح الذي قرب عجلة القيادة وقام (برش) مادة حارقة (Ac) على الزجاج ثم انصرف وانتظر لأكثر من نصف ساعة خلال هذه المدة كان الشقيقان يراقبان السيارة من بعيد وبعد الوقت المحدد اقترب احدهم ودفع الزجاج الذي تعرض للرش بالمادة المذكورة بيده فانهار كلياً دون ان يحدث صوتا.
فتح باب السيارة ودخل وقام بفتح غطاء الأسلاك التي تحت مقود السيارة وقام بربطها معاً وبعد أقل من عشر دقائق كان هو وصديقه ينطلقان بالسيارة بأقصى سرعة ممكنة إلى كراج )ب..( حيث تتم هناك عملية تفكيك السيارة وبيعها إلى محلات السكراب كقطيع غيار.
تمت العملية بكل سهولة ويسر وبعد تسلم صاحب الكراج للسيارة قام بإعطاء السارقين خمسة آلاف دولار لكل منهما كما تم الإبلاغ عن السيارة المسروقة واستمر البحث عنها لفترة طويلة ولكن بدون فائدة.
وكانت أرقام السيارة قد وزعت على كل دوائر المرور لعل أحداً يراها في الشارع أو لعلها سجلت مخالفة مرورية عن طريق الرادار بعد ان تم الإبلاغ عن سرقتها الا ان ذلك لم يحدث مما زاد الموقف تعقيدا.
بعد أقل من أسبوع اختفت سيارتان من نوع السيارة الأولى، تم تكثيف الدوريات وبث العيون لكن السيارة التي تختفي لا أحد يراها عن ذلك وكأنها تذوب في الرمال كقطعة ثلج في يوم مشمس.
في غضون ثلاثة أشهر كان عدد السيارات التي تمت سرقتها قد وصل إلى (23) سيارة وكانت كلها صناعة ألمانية دفع رباعي إضافة إلى سيارتين من النوع الرياضي وهما مصنوعتان في إيطاليا وهاتان السيارتان كانتا غاليتي الثمن.
استنفار كامل
كانت هذه العصابة تشكل تحديا لكل الأجهزة الأمنية فما كان من هذه الأجهزة إلا أن وضعت جميع السيارات غالية الثمن تحت المراقبة دون ان يعرف أصحابها بذلك وذلك من أجل حمايتها كانت المراقبة تبدأ بعد الساعة العاشرة ليلاً، لكن المراقبة لم تكن سهلة فقد كانت هذه السيارات تتحرك في الشوارع ومن مدينة إلى أخرى لذا كانت مراقبتها غاية في الصعوبة في إحدى الليالي لاحظ أحد المخبرين السريين أن إحدى السيارات الرياضية غالية الثمن تسير في شارع خارجي وبدون لوحات حاول المخبر أن يتتبع السيارة الا أنه لم يتمكن فقد كانت سرعتها عالية جداً الا أن المختبر تمكن من تحديد لونها الأحمر ثم الاتصال بدوريات الشرطة ووضعت نقاط تفتيش على الطرق الخارجية واستمرت عملية مراقبة الشوارع الخارجية والداخلية لمدة (48) ساعة وبشكل متواصل لكنه لم يتم العثور على السيارة التي أبلغ عنها المخبر.
والمهم في الأمر أن أحدا لم يبلغ السلطات المعنية بان سيارة له قد سرقت، لذا فان المعلومة التي أدلى بها المخبر لم يتم الاهتمام بها كثيراً بعد (48) ساعة لان احداً لم يفد بسرقة سيارته.
تمت مراقبة الورش والكراجات ومحلات السكراب المشبوهة لكن التحريات لم تثبت بان السيارة الرياضية قد وصلت إلى تلك الورش ومحلات السكراب، وأخيراً وصلت قناعة إلى الجهات الأمنية بان المعلومات التي أدلى بها المخبر قد تكون غير دقيقة ولان الوقت كان ليلاً فلم يتمكن من استيضاح الأمر.
لكن المخبر بقي مصراً على رأيه ومؤكداً بان المعلومات التي أدلى بها بشأن السيارة الرياضية كانت صحيحة وانه شبه متأكد بان السيارة مسروقة وان العصابة الخاصة بسرقة السيارات هي التي وراء ذلك لكن لماذا لم يبلغ صاحبها عن السرقة فهذا أمر آخر.
تحت إصرار المخبر تم الاتصال بجميع الموانئ البحرية والجوية حيث أشار أحد الموانئ البحرية الصغيرة الى ان سيارة رياضية لونها أحمر من نوع كذا.. وصلت إلى الميناء قبل نحو أسبوعين وأنها باسم احد الشخصيات الاجتماعية المعروفة وانه قد جاء مندوب عنه وتسلمها.
تمت مراقبة الشخصية الاجتماعية المعروفة ومن خلال البحث والتحري لم يلاحظ بان لديه سيارة من هذا النوع كما انه بعد الاتصال بإدارات المرور المختلفة لم تشر التسجيلات بان هذا الشخص قد قام بتسجيل سيارة رياضية من النوع المذكور أو انه باعها لأحد.
هذا الأمر أثار حفيظة الجهات الأمنية فإدارة الميناء الصغير الذي وصلت إليه السيارة تؤكد دخولها إلى المدينة وباسم الشخصية الاجتماعية المعروفة وعلى واقع الأرض لا توجد سيارة من هذا القبيل ثم ان صاحبها لم يسجلها في إحدى إدارات المرور، كما أنه لم يبلغ عن سرقتها، إضافة إلى ذلك فإن جميع التحريات أشارت الى أنه لم يقم بإعادة تصديرها إلى الخارج.
نقلها بإحدى الشاحنات
في أحد الأيام انتقلت إحدى الدوريات التابعة للطرق الخارجية إلى مكان خارج المدينة لمعاينة انزلاق شاحنة كانت الشاحنة من النوع الذي يتم فيه نقل الرمال وكانت مائلة قليلاً على جانبها بعد أن صدمت شاحنة أخرى قادمة في الاتجاه المعاكس فتلك المنطقة فيها الكثير من الشاحنات التي تنقل الأسمنت والرمل حيث يتم توسيع الشارع ليصبح عدة مسارات خلال معاينة الحادث قال احد عناصر الشرطة انه شاهد عجلات سيارة داخل شاحنته الأولى، هنا طلب الضابط من العنصر محاولة الصعود إلى الشاحنة ومعرفة ما تحت الرمل في الوقت الذي سيأخذ فيه الضابط سائق الشاحنة أي مكان آخر لإجراء التحقيق.
طلب الضابط من العنصر أن يعمل بسرعة وأن لا يلفت إليه انتباه أحد وبعد وقت قصير اتصل العنصر بالضابط وقال له انه وجد سيارة مغطاة بغلاف من البلاستيك تحت الرمل، وأن لونها أحمر.
أنهى الضابط إجراءات المخالفة وطلب من عناصر الشرطة الابتعاد كلياً عن الشاحنة التي فيها السيارة كما طلب من الشرطي الذي يقود الرافعة التابعة للشرطة والتي ستعيد الشاحنة إلى وضعها الطبيعي القيام بذلك بسرعة كبيرة وعدم التعليق بأي شيء إذا شاهد في الشاحنة أمراً غير طبيعي.
وفي أثناء إعادة الشاحنة إلى وضعها الطبيعي كان الضابط يراقب كل شيء بدقة حيث لاحظ وجود السيارة الحمراء داخل الشاحنة بعد انحصار الرمل عن جزء منها، لكنه أهمل ذلك وطلب من سائق الشاحنة أن ينطلق بشاحنته حتى يفسح المجال أمام السيارات للعبور.
كانت كل المعلومات تصل أولاً بأول من الضابط إلى غرفة العمليات، لذلا تم تتبع الشاحنة بسيارة أجرة دون أن يعرف السائق بأن شاحنته تحت المراقبة.
قطعت الشاحنة نحو (150) كيلومتراً، حيث وصلت أخيراً إلى منطقة صناعية ووقفت هناك، استمر وقوفها من الساعة السادسة عصراً حتى الحادية عشر قبل منتصف الليل حيث جاء سائق الشاحنة ووضعها بالقرب من مرتفع رملي ثم صعد إلى الشاحنة وأزاح الرمال التي كانت تغطي السيارة ثم أنزلها وأخفاها بالقرب من المرتفع الرملي.
ترك الرجل السيارة الحمراء وانطلق في طريق عودته إلى حيث جاء، كانت الأجهزة الأمنية تراقب كل شيء وكانت كاميرات التلفزيون تصور كل شيء أيضاً.
كانت إحدى الدوريات تتبع الشاحنة في حين كانت مفرزة أخرى من الأجهزة الأمنية تنتظر بالقرب من السيارة الحمراء، عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل جاء شابان كانا يسيران باتجاه السيارة تقدم أحدهما من السيارة بحذر شديد في حين بقي الآخر بعيداً عنها لبضعة أمتار.
دخل أحدهم إلى السيارة وقام بتشغيلها دون أن يشعل الأضواء وبدأ يتحرك بها باتجاه زميله الآخر، وما كاد الاثنان يستعدان في السيارة حتى تفاجآ بالقوة الأمنية تحيط بهما، حيث قامت بتسليط ضوء ساطع على زجاج السيارة حتى تمنع سائقها من التحرك، ورغم الأضواء الساطعة إلا أن السائق تحرك بسرعة كبيرة فهذه السيارة تصبح سرعتها من الصفر إلى (140) كيلومتراً في الساعة خلال (30) ثانية وفي دقيقة من انطلاقها تصل سرعتها إلى (260) كيلومتراً في الساعة. كان سائق السيارة مصمماً على الإفلات من رجال الأمن بأية طريقة وكان رجال الأمن مصممون على الإمساك به وبصديقه بأية طريقة أيضاً.
هنا اعترضت سيارة الشرطة السيارة الحمراء فما كان من سائق السيارة الحمراء إلا أن ضرب سيارة الشرطة، مما أدى إلى اشتعال النار فيها.
تم إنقاذ من في سيارة الشرطة بأعجوبة وفي الوقت الذي انشغل فيه رجال القوة الأمنية بمساعدة رجال الشرطة وإخراجهم من السيارة قبل أن تصل إليهم النيران كان السارقان قد فرّا بالسيارة الحمراء.
لكن فرارهما لم يدم طويلاً فقد كانت الطرق قد سدت بسيارات الشرطة، هنا حاول السارقان أن يلقيا بنفسيهما في الماء، لكن أحد رجال الأمن أطلق عليهما شحنة كهربائية من مسدس قوته (50) ألف فولت.
سقط السارقان على الأرض فوراً وتم تقييدهما وأخذهما إلى غرفة التحقيق، هناك اعترفا بسرقتهما للسيارة ولغيرها من السيارات الأخرى.
تم فحص السيارة عن طريق الكلاب البوليسية وعن طريق جهاز يعمل بالأشعة البنفسجية، حيث تم اكتشاف جيوب في السيارة مملوءة بسائل، تم إحالة السيارة إلى جهات عالية التقنية حيث تم اكتشاف جيوب تحتوي على زئبق أحمر، كان هذا الاكتشاف مؤشراً خطيراً للغاية فالزئبق الأحمر يستخدم في (........)، أعيد التحقيق مع الرجال الثلاثة الشابين اللذين كانا في السيارة الحمراء وسائق الشاحنة الذي تم اعتقاله هو أيضاً. في أثناء التحقيق أنكر الرجال الثلاثة معرفتهم بالزئبق الأحمر وقالوا بأنهم لا يعرفون الزئبق الأحمر أصلاً وأنهم سارقو سيارات ليس إلا.
وقالوا بأنهم عندما شاهدوا السيارة تخرج من الميناء استوقفوا سائقها ثم رشوا على وجهه (سبراي) مخدر وأخذوا السيارة وانطلقوا بها إلى حيث كانت الشاحنة تنتظرهم بعد أن تخلصوا من السائق وإلقاءه بعيداً عن الشارع العام وأنهم كانوا ينوون بيعها قطع غيار إلى إحدى ورش السكراب.
كان واضحاً أنهم لا يعرفون ماذا كانت تحمل السيارة الحمراء، حيث زكد التقرير الذي كتبه المختبر الجنائي بأن هذه الكمية من الزئبق الأحمر لا يمكن الحصول عليها إلا عن طريق عصابة دولية لديها الكثير من الخبراء في علم الفيزياء والكيمياء العضوية، وأن طريقة تخزينها تدل على تقنية عالية جداً لا يمكن لأي أناس عاديين أن يقوموا بها، وكان من الواضح أيضاً أن الشحنة مرسلة إلى الشخصية الاجتماعية الذي استورد السيارة، وأن الهدف لم يكن استيراد السيارة وإنما الشحنة التي كانت بداخلها.
فتح التحقيق
تم استدعاء الشخصية الاجتماعية للتحقيق معه، وفي أثناء التحقيق تم اتهامه بأنه هو الذي قام باستيراد الزئبق الأحمر، لكن محاميه أنكر هذه التهمة قائلاً بأن الرجل صاحب الشخصية الاجتماعية استورد السيارة باسمه، وأن السيارة خرجت من الميناء باسمه وبأوراق رسمية، وهو لا ينكر ذلك، ولكن بعد أن سُرقت لا يعرف ماذا حدث لها، فهذه ليست مسؤوليته.
وعندما سأله ضابط التحقيق لماذا لم تُبلغ عن سرقة السيارة رغم أن سعرها يتجاوز 350 ألف دولار أميركي، قال المحامي إن وقت الشخصية الاجتماعية مهم جداً وليس من المعقول أن يضيع وقته في الإبلاغ عنه سيارة، لأن ذلك سيجعله يذهب إلى مركز الشرطة ويضيع وقته وجهده. كانت جميع الشواهد ضد الشخصية الاجتماعية، أما الحقائق والأدلة فكانت ضد الرجال الثلاثة حيث وجدوا متلبسين.
تم الإفراج عن الشخصية الاجتماعية، في حين حكمت المحكمة على الرجال الثلاثة بالسجن 25 عاماً لكل واحد منهم مع الشغل والنفاذ.
بدأ الثلاثة يصرخون ويقسمون بأنهم سارقو سيارات وليسوا تجار زئبق أحمر، لكن لم يسمح لهم، فالقانون تحكمه الأدلة والبراهين وليس النوايا، علماً بأن نواياهم كانت سيئة لكونهم سارقي سيارات.
