آراؤه حول إصلاح أوضاع العالم الإسلامي كانت شديدة العمق، واستنكر ادعاءات البعض بتجديد الخطاب الديني، لأنه يرى أن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان، ولا يحتاج إلى تطوير، كما كشف النقاب عن أن الفضائيات هي الأرض الخصبة التي أنبتت الفتاوى الشاذة في المجتمعات الإسلامية، ووصف موقف معظم الحكومات العربية تجاه أزمة الرسوم المسيئة للرسول ب«السلبي».. «البيان» التقت سماحة السيد علي الهاشمي مستشار الشؤون الدينية والقضائية بقصر الرئاسة في حوار أقرب ما نصفه بالجريء.. فإلى التفاصيل.
انتخبت كعضو بمجمع البحوث الإسلامية في سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ المجمع.. فماذا كان شعورك حيال هذا الاختيار؟
منذ عرفت بانضمامي إلى مجمع البحوث وأنا أشعر بالفخر والارتياح، ومصدر هذا الفخر أن الأزهر الذي انتميت إليه يعد أكبر مرجعية إسلامية في العالم، ويضم نخبة من خيرة علماء الأمة، فضلاً عن قيامه بتدريس كل المذاهب الفقهية كالظاهرية، والجعفرية.
بالإضافة للمذاهب الأربعة وكل ذلك في وسطية واعتدال دون تطرف أو غلو، كما أن الأزهر أكبر وأعرق مدرسة إسلامية للسنة والشيعة على حد سواء، ويعد أكبر المجامع الفقهية، لذا نجد علماء المسلمين وقد تعلم نصفهم في الأزهر، بينما النصف الآخر تتلمذ على أيدي علماء الأزهر.
ألا يتعارض ما تذكره من اعتدال الأزهر مع ادعاءات البعض بسيطرة الفكر المتشدد على رجاله؟
هذا كلام ليس له أساس من الصحة، فالأزهر مشهور باعتداله بعيدا عن الغلو والتطرف، والتاريخ على مر العصور يشهد أن خريجي الأزهر ليس بينهم إرهابي واحد، كما أنه لا يصادر رأي أحد بدليل تدريس المذهب الشيعي داخل الأزهر.
برأيك.. كيف يمكن مواجهة فوضى الفتاوى التي انتشرت على شاشة الفضائيات خلال الآونة الأخيرة؟
الفتاوى المتضاربة والشاذة لها أثر سلبي على المسلمين والإسلام، مثل الفتاوى التي تكفر الآخرين، وفتوى إباحة القبلات بين الجنسين وإباحة الزنا فهي تزيد من حالة الاحتقان والعداوة ضد الإسلام، وتجعل الآخرين يصفون المسلمين بالهمجية والجري وراء شهواتهم وغرائزهم، لذا يجب وقف نزيف الفتاوى الذي تمتلئ به الفضائيات ليل نهار.
بل يجب ترك الفتاوى للمسؤولين عن هذه العملية، عملاً بقول الرسول الكريم «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار»، ويجب ألا ننسى أن علماء المسلمين عند سقوط الخلافة العثمانية اتفقوا على انتهاء عصر الاجتهاد، وبداية عصر النقل في الكتب القديمة، خوفا من تدنيس الفتاوى لكسب رضا حكام الدويلات الإسلامية، ومواكبة الفتوى للعصر الحديث، والمتابع لتاريخ الصحابة الكرام يكتشف أنهم كانوا يتهيبون الفتوى ويتهربون من عملية الإفتاء.
وما موقفكم حيال الدعوات المتزايدة بتجديد الخطاب الديني لمواءمة روح العصر؟
لا يوجد ما يسمى بتجديد الخطاب الديني، فالإسلام لا يحتاج إلى تطوير أو تجديد كما يدعي البعض، فهو صالح لكل زمان ومكان، فليس من المنطقي أن تتغير نظرة الدين في ما أمر الله أو نهي عنه سواء في السنة أم القرآن الكريم، ولكن هناك قضايا تم استحداثها، ولم تكن موجودة في عصر النبوة، يجب إبداء الرأي الشرعي فيها وعدم إهمالها، حتى لا يتصف المسلمون بالتخلف، ولكن يتم البحث عن هذه الأمور في الكتاب والسنة.
تزايدت حدة الخلاف خلال الفترة الأخيرة بين السنة والشيعة برغم انتمائهم لعقيدة واحدة.. كيف يمكن تقويض هذا الخلاف؟
لا يوجد خلاف جوهري بين الطرفين، فالخلاف مذهبي وليس عقائديا، ولكن توجد قوى خارجية تحاول إذكاء هذه الخلافات البسيطة، ومحاولة تضخيم هذه الأمور، لبث الكراهية عملا بالقاعدة الاستعمارية الشهيرة «فرق تسد»، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية، لسعيها الدائم وراء النفط وتراث الشعوب الإسلامية.
هناك اتهام للحكومات الإسلامية بالعزلة عن شعوبها، فإلى أي مدى ترى هذا الاتهام صحيحا؟
هذا الكلام ليس له أساس من الصحة، فالأمة الإسلامية ليست بمعزل عن حكوماتها، فكلاهما يريد الإصلاح، ولكن بكل أسف هناك ضغوط سياسية كبيرة تمارسها الدول الاستعمارية على بعض الحكومات العربية، لفرض سياسات معينة، ما أظهر العرب في كثير من الأحيان مسلوبي الإرادة.
هل أنت راضٍ عن موقف العرب أثناء حصار الفلسطينيين في غزة؟
لست راضيا عن موقفهم حيال هذه الأزمة، ولكن كما قلت هم مسلوبو الإرادة. وفي الوقت نفسه أحيي الرئيس مبارك على موقفه في هذه القضية، وفتحه معبر رفح لفك أسر هذا الحصار.
إذن كيف تنظر إلى موقف الحكومات العربية فيما يتعلق بأزمة الرسوم المسيئة للرسول؟
لا شك أن هذه الأزمة تكشف مدى الانهيار الأخلاقي الذي تمر به المجتمعات الغربية، التي لا تتورع عن الإساءة للأديان والمقدسات الدينية تحت مظلة حرية التعبير، ما أحدث فوضى عارمة، أما بالنسبة للحكومات العربية والإسلامية فقد تعاملت مع الأزمة بسلبية، فلو أن سفيرا من سفرائها تمت إهانته ل«قامت الدنيا»، وعمّ الغضب الدولة بأسرها، في حين تجاهل الجميع القيام بأي عمل سياسي لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
هل توجد طريقة للتعبير عن رفض المسلمين الإساءة للإسلام دون التظاهر؟
لا يوجد أدنى مشكلة في تنظيم مسيرات سلمية للتنديد بهذه الرسوم كصورة من صور التعبير عن الرفض الإسلامي لهذه الإساءة ووصفه بالإرهاب، أما القيام بالأعمال التخريبية فهو يضر القضية أكثر مما يفيد، ويمكن اللجوء إلى إقامة الدعاوى القضائية في المحافل الدولية، لذا أطالب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بتبني هذا الأمر.
ورفع دعوى قضائية ضد الدول الأوروبية التي تحرص على الإساءة للإسلام والرسول الكريم، ويجب أن نذكر دائما الحكم التاريخي لمحكمة العدل الدولية لصالح فلسطين ضد العدو الصهيوني بغض النظر عن تنفيذ هذا الحكم من عدمه، فضلاً عن أن الغرب يوجد به عدد من العقلاء والمنصفين للإسلام، ويؤكدون في كتبهم عدالته، وينفون الأكاذيب التي تلتصق به.
لكن.. إلى أي مدى يتحمل المسلمون مسؤولية نظرة الغرب المغلوطة للإسلام؟
الفضائيات هي الأرض الخصبة التي تنبت الفتاوى الشاذة وتفرزها، ولها دور كبير في هذا الأمر، لاعتمادها على الإثارة فقط بهدف الربح والانتشار، وقيامها باستضافة علماء دين يتصفون بالجهل والحماقة والضعف، ولديهم استعداد للإجابة عن أي سؤال دون علم ولي الأمر، ما أدى إلى تشويه صورة الإسلام، فضلاً عن ابتعاد المسلمين أنفسهم عن تعاليم الإسلام.
يُتهم المسلمون دائما أنهم يكرهون الآخر.. فكيف ترد على هذا الاتهام؟
هذا الاتهام محض افتراء، فالمسلمون لا يكرهون أحدا، لأن الإسلام دين السلام والقرآن، ومليء بآيات السلام والسماحة والتعايش مع الآخر، وخير دليل على ذلك وثيقة الموادعة (المواطنة) التي حررها الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة.
وقد اعتبرها المؤرخون أول وثيقة عادلة في التاريخ تضمن للآخر نفس حقوق المسلمين، فضلاً عن عفو الرسول الكريم عن المشركين بعد فتح مكة، والتاريخ يذكر أن الغرب هو السبب في نشوب الحرب العالمية سواء الأولى أو الثانية اللتين راح ضحيتهما سدس سكان العالم.
