الممر المؤدي إلى الصالة الرئيسية ضبابي، سحب الأبخرة والدخون في استقبال الجموع الوافدة للتو، وزجاجات عطر تتنقل بين الأيادي، المكان مكتظ بالنساء المتشحات بالسواد، الأجواء تشي بحزن، لكنه حزن مصطنع، بل مجرد دموع في عيون ضاحكة وشفاه مبتسمة، وأسارير منفرجة، وقلوب مرتاحة لا ملتاعة، لشخوص تؤدي واجباً كأنه مفروض رغم أنه مرفوض بصورته القاتمة التي تحول الأتراح إلى أفراح.
في ركن قصي هناك حديث جانبي هامس تعلو نبرته وتنخفض تناغماً مع طبيعة الجالسين، الطاولات تلتحف المفارش الفاخرة، أكواب زجاجية ملونة، ترامس ذات أحجار متلألئة، فناجين مذهبة، والبقية تلمع.
عاملات الضيافة في ممر الاستقبال، الذي امتلأ بوجوه شاحبة، برعت في إضفاء لمسة حزن ضرورية على المجلس، دخلت على استحياء، لم تعتد زيارةً من هذا النوع، ولكنها جدة صديقتها المقربة، فكان لابد من خوض غمار التجربة الأولى، «السلام عليكم ، عظم الله أجركم»، «البقاء والدوام لله، تفضلي»، اتجهت دون الالتفات إلى الكرسي الواقع في الزاوية المقابلة، أبعد ما يكون عن الأنظار المحدقة على الوافدين للمجلس.
فناجين القهوة تدور، وأكواب العصير على أنواعه تقبع في الصواني لا تجد من يتناولها، «هلا حبيبتي، تفضلي، هذا شاي بالحليب، وهذا شاي بالزعفران، وهذا حليب بالزعتر، وهذا حليب بالزنجبيل، والا تشربين عصير برتقال وإلا أناناس وإلا ليمون ونعناع؟»، «مشكورة»، لعل الدهشة من الكم الهائل من الاختيارات كانت سبباً في حيرتها، فالموقف في نظرها لا يحتمل كل هذه المغريات.
في الصالة الداخلية، كانت المفاجأة أعظم، عباءات فاخرة وأقمشة لماعة، وألماسات براقة، ومجوهرات تكسو المعاصم والرقاب، ومساحيق لا بد أنها خففت لتتلاءم والجو العام، وحديث لا يمت للحزن بصلة، «عنبو، حتى ما تذكرت تعزمنا على عرس ولدها، صدق إنها ما تستحي»، «تدرين عاد، يقولون العقد اللي مودينه للعروس بمليون»، «حسبي الله عليها، هذا كله من البورصة، من يوم دخلتها وهي تلعب بالفلوس لعبه». يأتي صوت الضمير من آخر الممر، ليطلق رصاصته، «شوي شوي، وطوا صوتكم، الحرمه توها متوفية»، «انزين عاد، نحنا ما قلنا شي، الموت حق، الله يرحمها، حتى ما تبونا نرمس».
الساعة تشير إلى التاسعة، والبيت لا يزال يغض بجموع المعزين، «اتفضلوا يا جماعة عالعشا»، لم تكد تنتهي من جملتها، إلا والحاضرات قد أخذن أماكنهن على السفرة، وخلعن معاطف الذوق والإتيكيت، وشمرن عن السواعد الناعمة، وكأنهن اعتدن على ممارسة هذه الطقوس، سفرة في المجلس وسفرة في الصالة وأخرى في غرفة الطعام، والأطباق مازالت تتوافد من المطبخ في محاولة لسد جوع الحاضرات.
على السفرة، تستمر طاحونة الأحاديث في الدوران، وتعرج على أحوال السياسة والاقتصاد في الدول الكبرى، «اطالعي أنتي، عقب سوايا ريلها وسواد ويهه أونها بتحكم أميركا، صدق انها ما تستحي»، «وإلا هذاكي ساركوزي المتشبب، مودي حرمته شرم الشيخ شهر العسل، عاد ياليتها حلوه، إلا تزيغ من ضعفها».
وتفصل الأحاديث في استعراض خطوط الموضة العالمية، حتى تحط رحالها في معرض الساعات والمجوهرات الذي تم التنبؤ بفشله بسبب ارتفاع أسعار الذهب، «سمعتي انتي عن ربيعتج، الحرمة بغت تموت يوم سمعت الذهب وصل 120، سارت تايلند تيبلها كمن طقم من الجليت، وكل يوم تكشخ بواحد»، وهكذا تتواصل نوبات النفاق والتباهي وفيما يتواصل العرض الجانبي لأحاديث النفاق والفشخرة مجالس العزاء، في حين يبقى الحديث عن الموت والآخرة، والدعاء للمتوفى مغيباً إلى أجل غير مسمى.
أمل الفلاسي
