ساعات الصباح المتأخرة تشهد زحفهن إلى الفصول على مضض، اللقاءات مغرية ولسان حالهن يقول في محاولة للهروب من مأزق الحصة: «يوم شاب ودوه الكتّاب»، التجمعات تهيج شجون القلب وتنعشه، عجلة الأحاديث الجانبية مستمرة في الدوران، تلتهم آخر الدقائق المتبقية وتأخذ في طريقها مواضيع شتى، غداء اليوم، العيال والزوج، الأعراس التي حضرنها، والتي ما زالت تنتظر في أجندة الأيام القليلة المقبلة، ليس هناك أذكى من النساء، يختصرن حديثهن عندما يحلو لهن، ويسهبن متى ما استدعت حاجتهن وتوافقت أهدافهن.

الساعة تشير إلى التاسعة، القاعة هادئة، تخلو إلا من سبع أمهات على مقاعد الدراسة في الصف الخامس الابتدائي، اصطحبن معهن الكتب والدفاتر وما تيسر من أقلام، وتحت الطاولات، تختبئ دلال القهوة والشاي، وبعض أصناف الفوالة الصباحية التي حرصن على وجودها قبل الكتب والأقلام.

الأجواء تشي بسر لا يمكن اقتناصه إلا بعد التمعن في وجوه الحاضرات، والاستماع إلى حديثهن باهتمام، من الصعب أن تعيش المرأة حياتها بصورة عكسية، أن يأتي الزواج والإنجاب أولاً، ثم التعليم بصورة نظامية، أن تساوي خبراتها الحياتية والتربوية «لا شيء» في ميزان المدرسة، أن يسبقها الزمن عندما كانت منهمكة في العطاء، وتجد نفسها في غفلة من العمر تستذكر دروسها برفقة أحد أبنائها ممن يشاطرونها المرحلة الدراسية نفسها، أو يسبقونها بأشواط.

المعلمة هي من جيل الأبناء، أو الأحفاد على أقصى تقدير، يبدو أنها حازمة، فالحزم أساسي للمساعدة في سير العملية التعليمية بصورة صحيحة، لكنها لا تألو جهداً في مراعاة طالباتها، والمكوث معهن لساعات لأن التعليم في الكبر على ما يبدو يتطلب جهداً أكبر، درس الحصة الأولى في الرياضيات، يتناول القسمة المطولة، ترى كم ستبذل الأمهات من الجهد لإدراك الطريقة العلمية لحل تمارين القسمة المطولة؟، بينما من المؤكد أنهن مارسنها مراراً وتكراراً في رحلات تسوقهن اللامنتهية!

يرن الهاتف النقال لإحدى الأمهات، لا ترد، ويعلو الرنين، «معلمة، هذي الخدامة، بخبرها شو تسوي غدا»، «ردي، لكن هذي آخر مرة يا عوشة»، «من فضلكم تغلقون التلفونات»، عوشة توصي الخادمة بالذهاب مع السائق لشراء ما تحتاجه من الجمعية وتتأكد من تحضير «فوقة الدجاج» قبل وصول البنات من المدرسة، على الجانب الآخر، موزة تستأذن لمغادرة الحصة، «بسير أشوي السمج يا معلمه، أبو العيال ما يأكل السمج المشوي إلا اللي إذا أنا سويته، باجر إن شاء الله بنكمل».

انتهت المداخلات وأخذت القسمة المطولة مجراها إلى أذهان الأمهات، هناك استفسار من حمدة للمعلمة، «يا امايه شوي شوي علينا، أنا بروحي ما أشوف السبورة، باجر يوم الامتحان شو بسوي؟ أظني إلا بسقط»، «إن شاء الله يا حمدة، فالج طيب، بنعيده مرة ومرتين»، في منتصف الحصة، تدخل فاطمة، أم أخرى تلتحق بركب التعليم بعد أن خضعت لاختبار تحديد المستوى ووجدت لها مقعداً في الصف الخامس، فاطمة امرأة خمسينية وأم لستة من الأبناء، جميعهم ممن أتموا التعليم الجامعي وتوفرت لهم فرص العمل.

رافقتهم هي في رحلة التعليم منذ كانت بذرة إلى أن أثمرت وأينعت أزهارها وحان وقت القطاف، حان الوقت لها أن تدرك حظها من التعليم، هي ترى أن لأبنائها حق الافتخار بأم تحرص على التعليم حتى لو كان في خريف العمر، رحب الجميع بها، واستكملت المعلمة ما تبقى من الدرس، تكللت الحصة بالنجاح، غادرت المعلمة وبدأت الفسحة.

في فناء المدرسة، صواني البلاليط والخمير والخبيص تتربع على القائمة الفوالة، تتناول الأمهات فوالة الصباح، يحتسين الشاي والقهوة، ويتقاسمن ما أراد الله من الطعام مع زميلاتهن في الصفوف الأخرى، الأحاديث مشتعلة، تأكل الأخضر واليابس وتمر على ما تم تداوله في الحصة، حمدة وعلياء يتبادلن خلطات الدخون السرية، وشيخة تشرح للأخريات كيفية صنع البزار، انتهت الدروس وأغلقت الكتب، وما زالت جلسات الوناسة مستمرة، دروس في الحياة الأسرية هنا وهناك والجرس غارق بين أصوات الخبرات الحياتية.

أمل الفلاسي