ثمة أسباب دفعت الإنسان إلى خوض رهان الغوص، وأهمها توفير لقمة العيش وذلك لعدم وجود مصادر رزق بديلة، فالمخاطرة بين أمواج البحر التي قد تبتلع السفينة بمن فيها، وترك الأهل والدار لأيام طوال في رحلات قد تمتد إلى أشهر عدة.
ومهنة الغوص التي تعاقبها أجيال الماضي في منطقة الخليج العربي وكان لصناعة أدواتها مصدر رزق جيد، فالعمل في تلك المهنة لها الأثر البالغ في نجاح الرحلة التي يجب أن تكون جماعية حتى يحصل الجميع على الأدوات المطلوبة في الوقت المناسب وقبل انطلاقهم في الرحلة.
الوالد ضاحي براق وجدناه مشغولاً بصنع (الليخ) - الشبكة التي تمسك بالأسماك -، فطرحنا عليه أسئلة عده ورغم انهماكه في عمله لم يمنعه ذلك من الإجابة على أسئلتي الكثيرة والتي كان يسمع جزءاً منها والأخرى يخمنها فالكبر له حكمة، فهو خفيف السمع لكن ذهنه كان يستذكر الأيام التي مضت والتي ولت.
وبدأ قوله معي: « اسمعي أنا لم أفارق دبي منذ 28 سنة، لأنها جزءاً مني»، وأكمل :«لكن سرت لعلاج في إيران عشان اعيوني، البحر ما خلى فينا حال»، وذكر إنه بدأ قبل حوالي 55 سنة، في صناعة (الديين) أي السلة التي يضعها الغواص حول عنقه ليضع بداخلها المحار، و(الليخ)، و(الخبط) ـ يصنع من الجلد ويلبس في أصابع اليد حتى تقي يدي الغواص عند التقاطه للمحار ـ ،
و(الخطام) ـ يلبسه الغواص في أنفه حتى يمنع عنه دخول ماء البحر المالح، وهو مصنوع من قرون الأغنام، وفي الفترة التي انتهت فيها عملية البحث عن اللؤلؤ اتجهنا إلى الحرف اليدوية الأخرى ولكن هذا لم يمنعني من صنع أدوات الغوص، التي رأيت في عينيه الرغبة في الرجوع إلى الماضي ليعيش تلك الأيام مرة أخرى خاصة وهي تشعره بلذة تلك الأيام.
المهنة رهن الاندثار
ويذكر الوالد ضاحي بأنه الآن يعمل في الأماكن التراثية التي تطلبهم، ليصنعوا هذه الأدوات أمام أعين الزوار، فالكثير منهم يطلبها ليقتنيها بوضعها كزينة، وقد طلب بعض الطلبة تعلم صناعة أدوات الغوص التي في رأيه في طريقها للاندثار مع مرور الزمن، وانشغال البعض في اللهو، وقال «ما فيهم صبر، ما يعرفون أنه بالصبر كل شي يستوي».
في نهاية حديثنا معه اتجهنا إلى البحر وهو يتوكأ على عصاه ويقول «كل مسافر لابد أن يرجع ليصل إلى البر مهما طال به الزمن»، لعشقه للبحر الذي طالما أراد العيش في حناياه والغوص في أعماقه لرؤية أسراره وخفاياه.
روضة السويدي
