أسئلة كثيرا ما تتردد داخلنا، وتطرق أسماعنا، وتلح على قلوبنا.. كيف أتغير؟ كيف أتحول؟ من أين أبدأ؟ اسئلة تدعو لإصلاح النفس والنظر الدائم فيها ومراجعتها؛ فالنفس متقلبة، وسبحانه وتعالى مقلب القلوب، ولَقلبُ ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانا، كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم.

ولعلنا نفهم أن مجرد المعرفة والعلم بخطر المعصية لا يكفي للابتعاد عنها وتركها؛ فكم من علماء اجترؤوا على ما لا يجترئ عليه جاهل!

ولعل المرء يقول متحيرا: كم من مرة حاولت وقررت العودة، بل وحددت لنفسي يوما أو موسما أبدأ منه، ويمر اليوم وينقضي الموسم وأنا على حالي! وكم من مرة بدأت فعلا. ولكن ما أكاد أسير في الطريق يوما أو يومين إلا وأنتكس مرة أخرى لعوامل من داخلي، أو لطوارئ ودواع من خارجي. إذن: ما العمل؟ وأين الطريق؟ لا بد لكل منا من نقطة تحوُّل. يُحَوِّل فيها مساره إلى طريق الله. في السطور التالية أمعن قلبك وإحساسك لا عينك، ونحاول سويّا أن نتلمس سبيل الوصول إلى الله عز وجل في خطوات متدرجة. ومن البداية أقول: إن الطريق ليس سهلا.

الحجر الصحي!

أول ما يجب أن تقوم به هو عزل نفسك عن مَواطن المعصية ورفقائها؛ حتى لا تجد فرصة للمعاصي، فتنقطع تماما عن المعصية. ثم الزم الإلحاح على معاتبة نفسك وتذكيرها ربها، وردد على سمعك دائما أنك لا بد ستموت إن عاجلا أو آجلا، وستلقى الله عز وجل فيحاسبك.

اصمت تسلم

درِّب نفسك على أن تصمت أكثر مما تتكلم؛ فإن النفس إذا صمتت سكتت، فإذا طال سكوتها تبين لها الكثير مما كانت تخوض فيه من الباطل، وعندها تنكسر؛ إذ تعلم أنها متعرضة لسخط مولاها. ثم عاود العتاب مرة أخرى، وذكِّرها بذنوبها ومعاصيها ذنبا ذنبا .

انسَ طاعاتك

إذا اعترفت نفسك بالتقصير والذنوب؛ فأدِم تذكيرها بعظيم ذنوبها، وأوهمها أنها لم تعمل في حياتها إلا المعصية، وأنسِها في هذه المرحلة حسناتها وطاعاتها؛ حتى توقن بالهلاك إن لم تتب، ويستيقظ ضميرها، وتسيل دمعتها. فإذا ما استيقظ ضمير نفسك، وسالت دمعتها، وأيقنت بالهلاك فأخبرها بضرورة الإقلاع عن المعاصي والاستدراك، وأن هذا لا يتأتى إلا بهجران كل أسباب المعصية؛ من أصحاب وأهل وقرابة وأدوات .

أذلها بالجوع

إذا نفرت نفسك من ذلك وأبَت؛ فاكسرها بكثرة الصيام، وأذلها بالجوع؛ فإن النفس إذا آلمها الجوع تخشع وتستمع وتستسلم للمعاتبة فتقبل، فإذا لم تقبل فذكِّرها بعذاب الله وسوء المصير؛ حتى تلين لك، وعندها ستجدها تعطيك وعدا بترك المعاصي بعد قليل، وتسوف لك متعللة بقضاء بعض حوائجها.

قاوم التسويف

إذا وجدتها تسوف لك وتعد لأمد طويل أو قصير، فاحمل عليها حملة شديدة بالزجر والتذكير بعدم ضمان الأجل، وانه لربما تستوفي أجلها قبل أن يحين الموعد، وأعد عليها ذكر العقوبات والنقم.

تحلية بعد تخلية

فإذا أذعنت لك وطاوعتك في قطع أسباب المعصية، فاعمل على إكسابها أضداد ما قطعته وفارقته؛ فابحث لها عن صاحب مرشد بدلا من الصاحب المغوي، وعلِّمها الذكر بدلا من السهو والغفلة، وألزمها التثبت والتفكر بدلا من الطيش والعجلة، وأذقها مناجاة الرب سبحانه وتعالى وحلاوة تلاوة كتابه، ومطالعة العلم، والتعرف على سير الصالحين وأخلاقهم، بدلا من الخوض في الباطل ومجالسة الفاسدين المفسدين، وعندها تجتمع أنوار هذه البدائل في قلبك، ويستنير عقلك بموروثات الطاعة، ويؤيدك الله بمعونته .

إياك والعُجب

إذا وصلت نفسك لهذه المرحلة من الاستقامة على طاعة ربها؛ فربما نما فيها العُجب بطاعتها وتركها للمعصية، فازجرها عن ذلك، وذكرها بنظر الله عز وجل إلى ضميرها، وخوفها بحبوط هذا العمل، وشككها في قبوله.

عزيزة عبد القادر كمال