تجيب عن هذا الاستفسار إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إن الإسلام بما اتسم به من شمولية وصلاحية لكل زمان ومكان لابد أن يجعل لكل مشكلة علاجاً نافعاً، وكانت عنايته بمشاكل الأسرة والحياة الاجتماعية عظيمة بحيث لم يُبق فيها مجالاً للاجتهاد والتخرص.
ولاريب أن النساء وهن نصف المجتمع بل أكثر من نصفه، مشكلتهن الكبرى تكمن في إعفافهن مادياً ومعنوياً، ومعلوم أن هذه الحاجة تقتضي مرونة في التشريع تتلاءم مع وسطية الشريعة وسماحتها، ولذلك كله أباح التعدد في حدود الأربع زوجات فقط، أي لا يجمع الرجل في عصمته في وقت واحد أكثر من أربع نسوة بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من إباحة التعدد بغير حصر، ومع إباحته شرعاً.
فإن الشارع قد أحاطه بتشريع يكفل حفظ الحقوق الزوجية، وهو العدل بين الزوجات، فقد قال الله تعالى:«فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» (النساء:3). فالشارع الذي أباح التعدد، أوجب العدل بين الناس عامة، وبين الزوجات خاصة، والعدل هو إعطاء كل زوجة حقها الشرعي من المبيت والنفقة.
وأمر عند الشعور بالعجز عنه أن يبقى الإنسان على امرأة واحدة خشية أن يرتكب الظلم كما قال سبحانه:«ذلك أدنى ألا تعدلوا» (النساء:3) أي تجوروا أو تظلموا . ولكنه مع ذلك إن تقحم التعدد مع شعوره بالعجز عن العدل، فإن ذلك لا يقتضي أن يلغي الشارع الحكم الذي قرره من إباحة التعدد، بل الإنسان على نفسه بصيرة.
فإما أن يعمل الخير أو يرتكب الشر في ترك العدل بين الزوجات فمن ذلك مارواه أبو داوود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً»، وذلك ليميزه به عن غيره فيكون ذلك تشهيراً وتسميعاً به يوم القيامة.
إضافة إلى ما يعانيه من العذاب جراء ذلك، وما ذلك إلا لأنه فرط فيما أوجب الله عليه من العدل بين الزوجات وكان باستطاعته فعل ذلك، إذ لا يكلف الله تعالى إلا بما فيه الوسع والطاقة. وأما قوله تعالى: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة» (النساء:129) فذلك العدل في المحبة.
فإنه لا يقدر عليه أحد لأن القلوب بيد الله تعالى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل بين زوجاته في المبيت والنفقة، ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» كما أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، يعني في محبة بعضهن على بعض، ولكن على أن لا تكون تلك المحبة حاملة له على ترك حقوق الأخريات، وعلى كل حال فالتعدد جائز، والعدل واجب، وتركه إثم كبير، والنصوص على ذلك كثيرة منها ما تقدم ذكره .
والحكمة من إباحته واضحة اجتماعياً، وخلقياً، وشخصياً، كما لا يخفى أمره. وأما قول السائلة: وهل إباحة التعدد يعني أن للرجل الحق في الزواج من غير سبب؟ نقول: إن الزوج لا يتزوج امرأة أخرى غالباً إلا لسبب يدعو لذلك من عدم قدرته على الصبر على امرأة واحدة تعتريها الأعذار الشرعية المانعة من الاستمتاع وهو عنده الطاقة التي لو لم يصرفها في الحلال لصرفها في الحرام، أو حاجته إلى الإنجاب، وهذه المرأة عقيم، أو سفره عن أهله ولا قدرة له على الصبر عن امرأة.