أكد المفكر المصري الإسلامي الدكتور أحمد فؤاد باشا أن جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة في مجال العلوم الطبيعية التي حصل عليها عن ترجمته لكتاب «من الذرة للكوارك» لمؤلفه سامم تريمان جاء تتويجا لمسيرة طويلة امتدت لأكثر من 30 عاما في مجال الترجمة.
وأشار أحمد فؤاد في حوار مع «البيان» إلى أن الإسلام دين شامل جاء ليقود حركة الحياة، منتقدا بعض الكتب التي تباع والتي تعطي مفهوما غير صحيح للإسلام، وطالب بالتصدي لهذه الظاهرة، واعتبر فؤاد أن دور المؤسسات الدينية يكاد يكون غائبا، ويحتاج إلى إعادة نظر، وأشار إلى أن مجتمعاتنا ابتليت بكثير من القضايا الوافدة، وهى التي تبعدنا دائما عن الطريق.
* لماذا في تقديرك لم يفصل الغرب بين الإسلام الحقيقي وما حدث في 11 سبتمبر ؟
؟؟ هذه العلاقة تعرضت لحالة من سوء الفهم المقصود وغير المقصود من قبل الغرب، والتقصير من جانب العرب والمسلمين في إظهار الحقائق والتعبير عنها والإقناع بها، فالأمة العربية حتى الآن لم تستطع أن تستفيد من الثورة المعاصرة ثورة المعلومات والاتصالات لكي تبشر بالفكر الإسلامي الرشيد، وتدحض كل دعاوى الافتراء والهجوم على الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخا.
حرب فكرية
كيف ترى الصراع الدائر اليوم بين الغرب والشرق والإسلام وما نتائجه في المستقبل؟
الحرب الآن حرب فكرية والصراع الآن صراع علمي ثقافي، والآن يمكن في المستقبل القريب أن تحتل الدول المتقدمة الأرض من خارج المجموعة الشمسية أو من كواكب أعلى، فالقضية الآن أصبحت قضية تقدم علمي وتخلف علمي، من يملك العلم يملك زمام القوة.
ويستطيع أن يفرض نموذجه ويروج له، وأنا أؤمن دائما أن الحياة منذ وجد الإنسان على وجه هذه الأرض لا تخلو من صراع دائم، ولكن دائما الحق هو الذي ينتصر، والباطل ينهزم، مع الاعتبار أن تكون مبررات الحق واضحة، وأن يوجد من يكون حمامة سلام دائمة تفرق بين الخير والشر وتنتصر للخير وتحارب الشر.
هل ترى أن اهتمام العرب بالترجمة يفترض أن يكون أفضل مما هو عليه؟
عندما انفتح المسلمون على الثقافات المجاورة، ونقلوا عن هذه الثقافات إلى لغتهم العربية حققوا إنجازات قيمة؛ ثم واصلوا في مجالات العلوم الأخرى المختلفة، وعندما انتقلت هذه العلوم إلى أوروبا ترجمت إلى اللغة اللاتينية أولا ثم إلى اللغات الحضارية، فضلا عن أنها مطلب إسلامي.
فنحن مطالبون بالحصول على الحكمة من أي مصدر وبأي لغة، وهذا سبب من أسباب التقدم والرقي الحضاري، ولذلك أصبحت الترجمة ضرورة حضارية للحوار بين الثقافات والحوار بين الحضارات، وكان في عصور الازدهار الأولى عصر الحضارة العربية الإسلامية.
قضايا وافدة
هل ترى أن هناك تعارضا بين الإسلام والليبرالية.. خاصة إن البعض يؤكد تعارضهما؟
أتصور أننا لو لدينا استراتيجية واضحة المعالم، ونعمل على تحقيقها دون أن نلقي بالا لمثل هذه المحاولات المستميتة لاستدراجنا بعيدا عن الخط السليم. أعتقد أن هذا هو الخط السليم لنهضة هذه الأمة، نحن ابتلينا دائما بكثير من القضايا الوافدة التي تستغرق منا الوقت والجهد، خصوصا هذه الثنائيات الأصالة والمعاصرة والمعاصرة الأخرى، وهذه كلها تبعدنا دائما عن الطريق.
ـ من وجهة نظرك ما أسباب الفجوة الحضارية بين المسلمين وبين الغرب؟
ــ الفجوة أننا تراجعنا عن أسباب الحضارة، وانتقلت هذه الأسباب إلى غيرنا، وعرفوا كيف يستثمرونها، وعرفوا كيف يستفيدون من التفاحة قبل أن يلتهموها في بطونهم، فنحن نحتاج إلى فكر جديد ورؤية جديدة تؤمن بدور العلم والتكنولوجيا في التقدم مع الاحتفاظ والمحافظة على القيم الأخلاقية والحضارية.
هل هذا يعني أن الواقع البحثي والعلمي لدى العرب يحتاج إلى وقفة؟
تعد القاعدة العلمية السليمة أساسا للتفوق الحضاري، وليست مجرد مواكبة علوم العصر لأننا نحتاج إلى التفوق، ونحتاج أن نحتل مكانة مرموقة تليق أولا بتاريخنا الحضاري المجيد، وأيضا بانتسابنا إلى الإسلام عقيدة وتاريخا، وعلى هذا فأنا أدعو القادرين أفرادا ومؤسسات ودولا إلى رعاية العلم، ورعاية العلماء، وأن يحتل العلم مكانه لأن البحث العلمي فريضة غائبة.
والجهاد الحقيقي في هذا العصر هو أن نسعى لأن يحتل العلم مكان القوة، فبهذا العلم ندافع عن أمننا، وندافع به عن قيمنا وعن عقيدتنا.. هذه الفريضة غائبة بالفعل، وإنها ليست في بؤرة الاهتمام كما ينبغي، فالأمة التي تعطل أداء فريضة واجبة تلقى بأيديها إلى التهلكة، ولذلك الحال لا يسر عدوا ولا حبيبا.
فالعلم صناعة ثقيلة تحتاج إلى إعداد، لكن في نفس الوقت هذه الصناعة الثقيلة تحتاج إلى تنظيم، وتحتاج إلى إعداد على مدى طويل.. فهذه الصناعة لا تأتي بثمارها إلا بعد جيل أو جيلين، لكن المهم أن نبدأ البداية السليمة.. فهناك من يتحدثون عن العلم وعن مسيرة العلم، لكن يبقى السؤال هل هذه المسيرة وهذا الواقع المحلي مؤثر في الواقع العلمي؟
فأنا أقول لا.. وطالما الإجابة بـ «لا» فهذا يعنى بأنه ليس لدينا شيء، وعلى هذا فحال مؤسساتنا العلمية والمراكز البحثية يقاس بالمردود الذي تقدمه، وأعتقد أنه مردود مرضٍ بالنسبة للواقع المعيشي، وبالنسبة لواقع الأمة العربية والإسلامية في هذه الظروف.
ولكن عندما تقاس بالحال العالمي بالنسبة للدول المتقدمة فهناك الكثير الذي يقال، وأعتقد أننا في حاجة إلى تغيير جذري في نظام التعليم، وأيضا في الارتقاء بالثقافة المجتمعية أولا لكي يكون البحث العلمي في بؤرة الاهتمام، ويجب أن نشعر أنه أمن قومي حقيقي، ومن هنا يبدأ التخطيط السليم لنهضة علمية حقيقية قد تستغرق عقودا من الزمن.
دائما ما يكون الهجوم على ما يسمى بالإسلام السياسي؟
نحن نفهم أن الإسلام هو الإسلام.. فالإسلام دين شامل جاء ليقود حركة الحياة، وينقذ الناس من حالة التخلف إلى حالة التقدم، ومن حالة الظلام إلى حالة النور، ويؤكد دور العلم ودور المؤسسات؛ فالحضارة العربية الإسلامية قامت على مؤسسات ومراكز تميزت في كل المجالات الاقتصادية والتعليمية والعلمية.
وكل هذه المجالات هي سياسة المجتمع؛ فالفكر الإسلامي الرشيد يستطيع أن يستوعب حركة المجتمع بكل جوانبها، وإذا كنا نتحدث عن تجديد الخطاب الديني أو تجديد الفكر الديني فهذا التجديد يشمل كل مناحي الحياة العلمية والتعليمية والاقتصادية والسياسية أيضا.
دور غائب
هل تعتقد أن دور المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي يحتاج إلى مراجعة؟
دور المؤسسات الدينية يكاد يكون غائبا؛ لأن هذه المؤسسات تحتاج إلى تقوية من حيث الإعداد الجيد، والفهم الحقيقي المستنير للعقيدة، ومن حيث إجادة التعامل مع الآخر لغة وفكرا، وهذه كلها أمور غير مستوفاة في المؤسسات الدينية الموجودة حاليا.
كيف أبلغت بنبأ فوزك بجائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية في مجال الترجمة؟
ــ تلقيت الخبر بفرحة كبيرة؛ وأحسست أن شيئا مهما قد حدث، وكنت قد تلقيت هذا الخبر من أحد مستشاري خادم الحرمين الشريفين، وأرى أنها جائزة مهمة ومقدرة بالتأكيد، مثل هذه الجوائز ستدفع العلماء والباحثين وغيرهم لتحقيق انجازات كبيرة.
هل كنت تتوقع أن تفوز بالجائزة؟
إنني أعتبر جائزة خادم الحرمين الشريفين تتويجا لمسيرة طويلة استمرت لأكثر من 30 عاما في مجال الترجمة، فالترجمة من الأعمال الشاقة والمضنية، خصوصا في مجال العلوم الطبيعية، وكان قد تقدم للحصول على الجائزة نحو 200 من المرشحين مثلوا 30 دولة، وتقدموا بأبحاث في 14 لغة مما أكسب الجائزة عالميتها وقوتها.
وبالذات عندما تنقل ثقافة معاصرة فإننا نجد أن مصطلحاتها غير مألوفة بالعربية، فنحتاج إلى جهد كبير، وإنه من فضل الله علي أنني عضو في مجمع اللغة العربية، وعلى احتكام دائم بقضية ترجمة المصطلحات العلمية وقواعدها وشروطها، فكل هذا ساعدني أن أحقق شيئا، وأتمنى أن يكون له أثر إن شاء الله.
القاهرة- دار الإعلام العربية
