ذهبت الى محله.. ذلك الرجل الذي تنحني أمامه كل الرؤوس، أيا كانت لمدير أم خفير.. إنه الحلاق الذي اعتدت الذهاب إليه في كل مرة، لقص شعري، أو حلق لحيتي أو تهذيب شاربي.. ولم أكد أطلق لخيالي العنان في محاولة مني للبحث في ثنايا الذاكرة عما يعينني على قتل الوقت في انتظار انتهاء الحلاق من الزبون الذي سبقني ، حتى تناهى الى سمعي همسات ساخرة تدور بين زبونين جالسين قربي ينتظران دورهما من بعدي..

قال الأول: «هاي شنو عيني ما عدنا نعرف الرجال من النسوان هالايام، فيرد الثاني ها يا معود ما تشوف الحلاق طقت روحه من هالزبون ساعة يقله خللي الشعر كله واقف بوسطة «الجل» ومرة ثانية بس أريد «القذلة» تغطي العين اليمين ونص العين اليسار وباقي الشعر قصه على طريقة «المارينز» .ويرد الزبون الثاني على صديقه: ولما قلنا إجا الفرج خشينا في حكاية الدقن، ويستدرك قائلا: شي يساوي بيها يوبا هاالموديل يروح يدور لزوم الحريم أحسن».

وجدت أمامي الفرصة سانحة لقتل الوقت بطريقة اخرى وهي الدخول في هذا الحوار الذي جاء ليداعب الكثير مما في نفسي تجاه الزبون محور الحديث الذي لم ينجح فحسب في إثارة غيظ الحلاق بل في «طق روح جميع الموجودين»، وأدليت بدلوي في الحديث معهما عن الانهيار الأخلاقي، والتغيرات الثقافية الكبيرة التي طالت سلوك أبنائنا، احد الزبونين الغاضبين أردف قائلا بأنه تحول في نظر أبنائه الى رجل متخلف يفتقد لكل المعطيات الحضارية جراء اعتراضه الدائم على سلوكهم، ومحاولة إيقافهم عند حدود معينة في الملبس والسلوك والمظهر العام بينما هم يطالبونه بضرورة التغير مع الزمن وعدم البقاء ثابتا كما أبا الهول (على حد تعبيرهم)..

الحديث تشعب كثيرا ولكنه بقي يدور حول القضية نفسها، فيما كان الحلاق المسكين يواصل رسم الخط الرفيع (الذقن) على وجه الزبون الذي لا يكل ولا يمل النظر الى المرآة وإصدار التعليمات للحلاق لإجراء التعديلات عليه..

ولم نتنبه نحن المحتجين الى الرجل الجالس قربنا الذي لم يشاركنا الحديث بل نهض واقفا واتجه نحو الباب ملتفتا باتجاه الشاب الجالس على كرسي الحلاق قائلا.. «يللا يابابا يا سوسو هاي انا باستناك بره». ولم ينس ان يرمقنا نحن الثلاثة بنظرة ذات معنى وهو يغادر... !!!

خالد اللوباني