قاعة فندق واسعة ضمت شباباً من الجنسين، أعمارهم بين العشرين عاما والثلاثين، حرصوا على الحضور قبل الموعد ضمانا للحصول على وظيفة مناسبة، وذلك بعد إعلان مؤسسة مرموقة في الدولة عن حاجتها لمواطنين لشغل الوظائف الشاغرة لديها، على مدى أيام متواصلة نشرت المؤسسة إعلانها في الجرائد ولم تهدأ القنوات الإذاعية عن بث الإعلان ذاته عبر أثيرها، مع التأكيد على ضرورة اغتنام الفرصة التي ستتاح لهم بتقديم طلباتهم وإجراء مقابلة سريعة للتعرف على مؤهلاتهم خلال يوم واحد وبتوقيت محدد.
في البهو الطويل نسبيا المؤدي إلى قاعة الفندق ازدانت الجدران باللوحات الفنية التي تعكس بيئة الإمارات القديمة، تأملتها وأنا في طريقي إلى مبتغاي وشدني قدرة الرسام على إتقان أدق التفاصيل في اللوحات، حينها التفت إلى صوت رقيق يناديني قائلا: «لو سمحت وين مكان تقديم الطلبات»؟
أجبت: «في القاعة الفلانية، بس امشي سيده وبتشوفين القاعة على يمينج».
لم أدرك غياب اللوحات التوجيهية للقاعة لدى دخولي الفندق، وأعزو ذلك لانشغالي بتأمل اللوحات الفنية وديكور الفندق الحديث، انتظرت صديقتي قليلا عند مدخل القاعة، وأذهلني عدد الحضور، الكل منشغل بترتيب أوراقه، وفي زاوية القاعة جلس الفتيان بانتظار أدوارهم لإجراء المقابلة، بينما تجمعت الفتيات في قاعة صغيرة للسبب ذاته، اصطففت وصديقتي مع هذه الجموع في الطابور المخصص للفتيات ولم يفصلنا عن طابور الفتيان سوى شريط عريض، قبيل وصولنا إلى الموظفة التي تستقبل الطلبات وجلس بجانبها موظف شاب لاستقبال طلبات الفتيان، سمعت همسه للموظفة قائلا: هذا مقدم الـ (CV) بالعربي، شو الحل؟
ردت الموظفة: ما ظني بيقبلون طلبه، وينه هو ازقره عشان نقول له.
عاد الشاب صاحب الـ (CV) متسائلا، ووضح له الموظف أسباب عدم قبول طلبه، مؤكدا ضرورة تقديم السيرة الذاتية باللغة الانجليزية حتى تأخذ مجراها الطبيعي؟!!
أخذ الشاب أوراقه وتوارى عن الأنظار ولم ينبس بكلمة.
لم يتوقف سيل الباحثين عن عمل من التدفق إلى القاعة، فغصت بالحضور، تبادل شابان حديثا عن الرواتب والامتيازات ونظام الترقيات المتبع في المؤسسة، وسأل أحدهم الآخر: كم تتوقع بيكون معاشنا؟
أجاب: مادري أحس 17 ألفاً أو أكثر!!
ورد الشاب مذهولا: قول والله، جان زين والله، ياخي أبا اشتري لي «الاستيشن» اليديد، وإذا حصلت بنت الحلال تراني بعرس، بس إن شاء الله يقبلونا..
الآخر: آمين، أنا من سنين أدور لي وظيفة ومب امحصل.
ومن ضمن الحضور.. لمحت فتاتين، تناقشتا حول أساليب بعض المؤسسات في التوطين، وعلقت إحداهن على الأمر بأنها أساليب مكشوفة تتبعها المؤسسات «عشان يبرون ذمتهم جدام الناس، لكنهم ما بيوظفون حد لأنهم أصلا موظفين ناس قبل ما يعلنون في وسائل الإعلام» كما جاء على لسانها.
نادية إبراهيم
