فيما كانت نيران الفتنة تنطفئ في مدينة طرابلس اللبنانية بعد معارك ليلية بين قوى المعارضة والموالاة، وفي موازاة هدوء في العاصمة بيروت مازال صامداً، اندلعت مواجهات بالأسلحة الثقيلة في الجبل (شرق العاصمة) بين أنصار زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وعناصر المعارضة والحزب القومي السوري، دفعت جنبلاط إلى طلب نجدة خصمه الأمير طلال أرسلان وتفويضه التفاوض مع المعارضة لوقف المعارك.
وهو ما نجح في تحقيقه مساء أمس قبل ان يعاود الطرفان الاشتباك مجدداً في وقت متأخر الليلة الماضية، رغم انتشار للجيش في المنطقة، فيما واجه العرب الأزمة بتوجيه نداء عاجل إلى الأطراف اللبنانية بوقف الاقتتال وإرسال وفد وزاري عربي يضم الإمارات إلى بيروت. ودارت المعارك الطاحنة في آخر جولة عنف بين أنصار المعارضة ومؤيدي جنبلاط في عاليه والقرى المجاورة، وأفادت مصادر أمنية بأن شخصين على الأقل قتلا وأصيب أربعة آخرون في القتال ليصل عدد القتلى خلال 5 أيام من القتال إلى 46 قتيلاً إضافة إلى سقوط نحو 140 جريحاً.
وقالت مصادر أمنية إن مقاتلي المعارضة سيطروا على عدد من القرى في المنطقة. وفي ضوء التطورات، فوض جنبلاط خصمه السياسي طلال أرسلان التفاوض مع المعارضة ووقف المعارك. وناشد جنبلاط في اتصال مع تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) حزب الله حفظ الأعراض والكرامات خلال القتال. وطالب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بألا يجعل الطائفة الدرزية تدفع ثمن «ثأر شخصي» عليه. وأضاف: «أقول لأنصاري إن السلم الأهلي والعيش المشترك ووقف الحرب والدمار أهم من كل اعتبار».
وتابع القول: «قررت بعد التشاور مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن يتولى الأمير طلال أرسلان وفق اتصالاته موضوع وقف هذا النزف وهذا الدمار الذي يلحق بالجميع». ونصح أرسلان «وهو الذي طلب هذا التفويض أن ينسق هذا الأمر مع القوى الفعالة الأساسية وفي مقدمها الجيش اللبناني بعد التنسيق والتشاور مع بري الذي أكن له كل الاحترام والمحبة».
وكان أرسلان توصل إلى اتفاق لوقف النار، لكنه لم يجد صدى على الأرض لساعات حتى دخل حيز التنفيذ عند الساعة السابعة مساء حيث هدأت حدة القصف، الذي استخدمت فيه المدافع، مع وصول قوات الجيش إلى المنطقة وتسلمها حفظ الأمن. وأوضح أرسلان مضمون الاتفاق الذي تم حول منطقة الجبل فقال: «أنا وإخواني في المعارضة وافقنا على أن يتم تسليم المراكز المسلحة ومخازن الأسلحة في الجبل التابعة للحزب التقدمي الاشتراكي إلى الجيش اللبناني الموجود في الجبل».
وأضاف: «وافقت أن أفوض أنا لتنسيق هذا الموضوع. وافقنا سوياً أنا وجنبلاط مع الإخوان في المعارضة، تحديداً الإخوان في حزب الله أن نسلم الجيش اللبناني مناطق الجبل ومخازن الأسلحة إذا وجدت». ودعا أرسلان في مؤتمر صحافي أنصار المعارضة «بكل فئاتها لوقف إطلاق النار والمواجهات على الفور»، مطمئناً حزب الله إلى أن «سكان هذا الجبل سيبقون حماة صادقين لظهر المقاومة».
واتهم النائب اكرم شهيب، الذي سرت شائعات بمقتله جراء الاشتباكات الدائرة بين الموالاة والمعارضة في منطقة عالية «القوات النظامية لحزب الله بمحاولة التقدم من القماطية الى عالية ومن القماطية باتجاه عيتات، كما حاولت التقدم من كيفون باتجاه بيصور، اضافة الى الهجوم على بلدة الشويفات الا ان الاهالي تصدوا لها قبل ان ينتشر الجيش».
أما في بيروت فكانت الأجواء هادئة، وجابت قوات الجيش اللبناني الشوارع بعد انسحاب مقاتلي حزب الله من المناطق التي كانوا مسيطرين عليها. وأقام مئات الجنود المدعومين بالسيارات المدرعة حواجز طرق واتخذوا مواقعهم في شوارع الجزء الذي تسكنه أغلبية مسلمة من العاصمة بيروت. واختفى المسلحون تقريباً من الشوارع، ولكن شباناً أبقوا على حواجز في بعض الطرق الرئيسية، ما أدى لاستمرار إغلاق المطار والميناء.
وفي طرابلس، كانت أجواء الهدنة سيدة الموقف على الأرض بعد يوم من المناوشات. سياسياً، قال رئيس الوزراء فؤاد السنيورة إن حكومته ستجتمع قريباً لمناقشة مطالب حزب الله والجيش بتراجع الحكومة عن قراراتها، فيما ألمحت مصادر إلى أن الحكومة ستبحث خلال 48 ساعة خيارات لحل الأزمة.
أما في القاهرة حيث اجتمع وزراء الخارجية العرب في اجتماع طارئ لبحث الوضع في لبنان فصدر نداء عاجل دعوا فيه إلى «الوقف الفوري لأعمال القصف ووقف إطلاق النار وانسحاب المسلحين من مناطق التوتر وتسهيل مهمة الجيش في حفظ الأمن». وقال مصدر مسؤول شارك في الاجتماعات إن الوزراء قرروا إرسال وفد وزاري يضم كذلك الأمين العام عمرو موسى إلى لبنان خلال الساعات الـ 24 المقبلة.
وقال مشاركون في الاجتماع إن الاقتراح واجه خلافات حول تشكيلة الوفد ورئاسته. فحسب المصادر تحفظت مصر ودول أخرى على ترؤس قطر الوفد وعلى استضافة الدوحة للحوار اللبناني، وفق مقترح تقدم به رئيس وزراء قطر وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني. وقال المصدر إن الجامعة «اقترحت أن يكون الاجتماع الأول لأطراف النزاع في لبنان، ومن ثم يكون الاجتماع اللاحق في قطر إذا وافق الوزراء على ذلك».
وصرح يوسف الأحمد مندوب سوريا لدى الجامعة العربية مساء أمس الأحد بأن وزراء الخارجية العرب توصلوا إلى قرار بتشكيل لجنة وزارية تقوم بزيارة لبنان برئاسة قطر وتضم الأردن والجزائر وجيبوتي واليمن والإمارات والمغرب وسلطنة عمان بالإضافة إلى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى. وأوضح الأحمد في تصريحات له في ختام اجتماعات مجلس الجامعة العربية بالقاهرة أن الوزراء توصلوا أيضاً إلى قرارات تؤدي إلى عدم الانحياز إلى أي طرف داخل لبنان.
وانتقد الأحمد موضوع إرسال قوات عربية إلى لبنان وتساءل: لماذا لم نشهد هذا الحماس بإرسال قوات عربية عندما ضربت إسرائيل جنوب لبنان. وحول ما تردد من وجود خلافات بين وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ومندوب سوريا لدى الجامعة العربية نفى الأحمد وجود خلافات قائلاً «بل كان حواراً ساخناً». وحول ما إذا كانت القرارات قد تضمنت إدانة لحزب الله نفى الأحمد ذلك متسائلاً لماذا يريدون الآن إدانة ضرب تلفزيون المستقبل ولم يدينوا ضرب إسرائيل لقناة المنار «التابعة لحزب الله».
