طالب عدد من أولياء أمور الأطفال المصابين بمرض الهيموفيليا في الدولة والذين يقدر عددهم بحوالي 180 طفلا بضرورة تحسين الخدمات الصحية المقدمة لهؤلاء المرضى وتوفير الخدمات العلاجية المتطورة لهم في المستشفيات والمراكز الصحية لتجنيبهم معاناة الانتقال من مكان إلى آخر.
كما طالبوا بضرورة إنشاء جمعية لأهالي الأطفال المصابين بهذا المرض لتبادل المعلومات والخبرات فيما بينهم أسوة بجمعية الإمارات للثلاسيميا وغيرها من الجمعيات الأخرى لنشر التوعية حول هذا المرض الذي يعتبر من الأمراض الخطيرة في حال عدم التعامل معه في منتهى الجدية والخطورة.
وقال احد أولياء الأمور ولديه طفلان مصابان بمرض الهيموفيليا انه اضطر إلى الانتقال من رأس الخيمة والسكن في إمارة دبي ليكون قريبا من المستشفيات التي تتوفر فيها الإمكانيات والأدوية، فيما قالت والدة احد الأطفال المصابين بالمرض بأنها تضطر للانتقال إلى احد مستشفيات العين لمتابعة حالة ابنها الصحية.
ولكن ما هو مرض الهيموفيليا وما مدى انتشاره في الدولة وما سبب المرض وما هي احدث العلاجات المتوفرة له؟
هذه التساؤلات وغيرها أجاب عنها الدكتور غازي تدمري مساعد مدير المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة الشيخ حمدان بن راشد للعلوم الطبية حيث قال:
مرض الهيموفيليا والمعروف بشكل أوسع بمرض سيلان الدم أو النزف الوراثي أو الناعور يعد من أول أمراض اضطرابات الدم الوراثية التي تم التعرّف إليها. فعندما يتعرّض الفرد الذي يعاني من الهيموفيليا لإصابة فإن التجلّط يكون بطيئاً نظراً لنقص في عوامل الدم الضرورية (البروتينات) وبالتالي يستمر النزف لمدة طويلة بعد إصابة أو جراحة.
وتصنَّف الهيموفيليا سريرياً وفقا للدكتور غازي تدمري إلى نوعين النمط (أ)، وهو النوع التقليدي والمرتبط بنقص في عام التخثّر (التجلط) المعروف باسم العامل 8، والنمط (ب)، ويعرف أيضاً باسم مرض كريسماس والذي يرجع إلى نقص العامل 9 ويقدّر بأنّ واحداً من كلّ 5000 إلى 10000 من الذكور حول العالم يولدون وهم مصابون بسيلان الدم النمط (أ)، أي ما يعادل 85% من حالات مرضى سيلان الدم في العالم.
أمّا النسبة المتبقية (15%) فهي لحالات سيلان الدم النمط (ب) والتي تحدث بمعدل حالة واحدة من بين كلّ 20000 إلى 34500 من الذكور حول العالم. وقد أحصى الاتحاد العالمي لمرض سيلان الدم وجود ما يقارب الـ 205 آلاف مصاب بهذا المرض الوراثي في 100 دولة.
* هل نقص عنصر التجلط يحصل بنسبة معينة في كل المرضى؟
ـ بالطبع هنالك درجات مختلفة لهذه الحالة وتحدد كمية عامل التجلط الموجودة في الدم شدة الحالة في كلا النوعين، فالمرضى الذين لديهم نسبة تقل عن 1% من الكمية الطبيعية لعامل التجلط يعانون من سيلان الدم الشديد. ولسوء الحظ فإن غالبية المرضى يعانون من هذا النوع الشديد والذي له مضاعفات خطيرة تتمثّل في النزف التلقائي في المفاصل والعضلات. وعلى النقيض من ذلك إذا كان مقدار عامل التجلط المقابل حوالي 5% من المستوى الطبيعي فإن المرض يكون معتدلاً ولا تترتب عليه إصابات دامية.
* ما هي العوامل الوراثية المؤدية إلى المرض؟ ولماذا ينتشر بين الذكور وليس لدى الإناث؟
ـ ينتج الهيموفيليا (أ) عن طفرات في مورثة عامل التخثر 8، بينما يحدث النمط (ب) نتيجة لطفرات في مورثة عامل التخثر 9. وتقع هاتان المورثتان على الكروموسوم X الذي يكون في هيئة نسخة وحيدة في الذكور ونسختين في الإناث. لذلك فإنه إذا حدثت طفرة في إحدى النسختين لدى الإناث فإنهن لا يصبن بالمرض حيث تقوم النسخة الأخرى بالتعويض فيكون عامل التجلّط المنتج في المستوى الطبيعي. ولحسن الحظ لا ينتقل المرض من الآباء المصابين إلى أطفالهم الذكور لأنهم ليسوا مسؤولين عن نقل الكروموسوم X، إذ ينقلون الكروموسوم Y المسؤول عن سمات الذكورة.
* كيف يتم تشخيص مرض سيلان الدم الوراثي؟
ـ عادة ما يتم تشخيص الهيموفيليا الحاد بعد شهور قليلة من الولادة حيث تبدأ مشاكل النزف الخطيرة في الظهور. ومن ناحية أخرى، فإن المرضى الذين يعانون من الهيموفيليا الخفيفة لا يتم تشخيص حالاتهم إلاّ بعد أن يتعرّضوا لإصابة شديدة على سبيل المصادفة.
وتتوفّر اختبارات الكشف عن مرض الهيموفيليا الوراثي على نطاق واسع. وحيث إن نوعي المرض (أ) و(ب) يتسببان في المضاعفات ذاتها فإنه من المهم تمييز النوعين باستخدام اختبار خاص للدم، وذلك حتى يتسنى اختيار الطريقة الملائمة للعلاج. فالمصابون بالنمط (أ) يتطلب تزويدهم بالعامل 8، بينما المصابون بالنمط (ب) فهم بحاجة إلى تعويض نقص العامل 9.
* وهل نفهم من ذلك أن سيلان الدم بالإمكان علاجه دون أية مضاعفات؟
ـ لسوء الحظ فإن علاج الهيموفيليا الوراثي يتم عن طريق نقل الدم، وتحمل هذه التقنية في طياتها مخاطر نتيجة تراكم منتجات البلازما المأخوذة من عدد كبير من المتبرعين بالدم، ومن ثم زيادة احتمال انتقال الأمراض المعدية مثل التهاب الكبد الوبائي ونقص المناعة المكتسبة (الإيدز). ويظهر عامل التخثر المنقول في بعض الأحيان كمادة غريبة حيث تتكون له أجسام مضادة تحول دون أداء وظائفه المطلوبة وتظهر نتيجتها استجابات التهابية.
ونتيجة لتطبيقات الهندسة الوراثية تمّ التغلّب على معظم هذه المشكلات بإنتاج عوامل التخثّر مخبرياً دون الحاجة لنقلها من أفراد آخرين. ومن الناحية الاقتصادية قدّر الباحثون تكلفة علاج مريض سيلان الدم الوراثي بحوالي 1000 دولار أميركي (3000-4000 درهم إماراتي) سنوياً مما يعطي صورة واضحة عن العبء الاقتصادي الذي يفرضه هذا المرض على المؤسسات الصحية والعائلات المصابة في الأماكن التي يكثر فيها انتشاره.
* وهل باستعمال الأدوية من الممكن أن يحيا مصاب الهيموفيليا الوراثي بشكل طبيعي؟
ـ المصابون بالهيموفيليا كغيرهم من البشر، يمكنهم ممارسة كل أنواع الأنشطة ومنها الرياضات الخفيفة ككرة القدم والتزلّج. فتقوية العضلات أمر مهم جداً إذ تحمل العضلات حينئذ جزءاً من الضغط الواقع على المفاصل مما يخفف من حدّة نوبات النزيف. والمهم هو تجنب تناول الأدوية المرققة للدم كالأسبرين وغيرها أو ممارسة الرياضات العنيفة كالمصارعة وكرة القدم الأميركية والهوكي.
* ما مدى انتشار مرض الهيموفيليا في العالم العربي؟
ـ على الرغم من أن الهيموفيليا غير شائع في كافة الدول العربية تقريباً، فهو الشكل الأكثر شيوعاً من بين كافة الأمراض الوراثية المرتبطة بالتجلّط. وبالتوافق مع البيانات العالمية، فإن الهيموفيليا من النمط (أ) تمثل غالبية حالات مرض في العالم العربي، حيث تشكل 72% في السعودية و53% في العراق و38% في الأردن. وفي دراسات أكاديمية متعددّة تمّ تشخيص 62 حالة في العراق، و27 حالة في مصر، و10 حالات في البحرين، و5 حالات في الصومال.
وتشير الدراسات العراقية أنه في مؤسسة صحية واحدة أصيب 47 من مرضى سيلان الدم النمط (أ) بمرض الإيدز نتيجة عمليات نقل دم ملوث. ومن جهة أخرى يقل معدّل الإصابة بسيلان الدم النمط (ب) حيث يشكل 10% في الأردن و8% في العراق و4% في المملكة العربية السعودية. وبالاعتماد على الإحصاءات الدولية من الممكن توقع وجود حوالي 17500 مصاب بسيلان الدم الوراثي في 13 دولة عربية.
دبي ـ عماد عبد الحميد
