يقول الحق عز وجل في سورة الإسراء «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا». تدل هذه الآية على أن لكل إنسان عملاً وأن هذا العمل ملازم له بل هو طوق في عنقه لا يبرحه ويحمل كتاب حياته وأن الإنسان سوف يقرأ كتابه وبذلك بكون الحسيب على نفسه.
وهذا الطائر الذي تتحدث عنه الآية هو جهاز الإنسان العصبي المركزي، حيث يثبت علم الأجنة أن الإنسان في أيام حياته الأولى ولم يبلغ بعد طوله ثلاثة سنتيمترات تبدأ طبقة جلدية أن تنغمس عند ظهره وتكون أنبوبة تحت جلده وعند عنقه بالذات تبدأ هذه الطبقة الجلدية بالتكاثر بسرعة مذهلة ويتكون جناحان من هذا التكاثر هما فصا المخ في مستقبل حياة الإنسان اللذان يحويان أكثر من 13 مليار خلية تحمل الأحاسيس المختلفة الآتية من الجسم إلى خلايا الجهاز المركزي العليا إلى العضلات المختلفة لتحريكها لعمل مخطط محسوب.
وعلى كلا الجناحين أو الفصين المتفرعين عند العنق واللذين يجلسان في فراغ الجمجمة تتكون خلايا الذاكرة التي تسجل كل أحداث حياة الإنسان وتكون رقيبة عتيدة عليه طول حياته تسجل كل ما يبدر منه مصداقاً لقوله تعالى: «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً».
فالجهاز العصبي هو المعجزة الخالدة والجوهرة الساكنة في فراغ الرأس والجهاز الجسمي الذي تسكنه نفس الإنسان وجهاز الاستقبال والانفعال ويتكون من فصي المخ المحفوظين في تجويف الرأس والمتصلين بمليارات الاتصالات العصبية والتي تقدر بأكثر من 13 مليارا من الخلايا العصبية وبها مراكز منتشرة على سطح الفصين لحفظ المرئيات والمسموعات وأحاسيس الشم والذوق واللمس بدرجاته العديدة، والملموسات الساخنة والباردة وأنواع اللمس الأخرى المختلفة، والإحساس بمكانها وصلابتها وذبذبتها.
وقد نسقت مراكز الأحاسيس تنسيقاً غاية في الإبداع على سطح المخ واتصلت بالأعصاب وبنوافذها المنتشرة على سطح جسم الإنسان العينين والأذنين واللسان وسطح الجلد. وكل هذه الأحاسيس متصلة بعضها ببعض بمليارات الاتصالات حتى أن الإحساس الواحد يؤثر على العديد من المراكز العصبية على سطح المخ في وقت واحد فنعرف كنهها وعلاقتها بالأحاسيس الأخرى ويحفظها الإنسان ويستعين بها في تكوين أفكاره التي تتعلق بسمات شخصيته «صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون».
فللنظر إلى جهاز الإنسان العصبي كيف يعمل؟ وكيف يغذى بالشرايين المختلفة التي تدق في حجمها وتتفرع حتى توصل غذاءها إلى كل خلية من خلايا هذا الجهاز المهم؟ وكيف تحفظ مليارات الخلايا وقد أحيطت بثلاثة أغلفة: الأم الجافة والأم الحنون وبينهما سائل النخاع ذو الأوصاف الكيماوية الخاصة. ويتدفق الأكسجين ليغذي هذه الخلايا ولو انقطع عنها لتوقف حياتها. وكل ذلك بمقدار معين محسوب «وكل شيء عنده بمقدار» وينساب الدم في الشرايين ليعطي هذه الخلايا غذاءها بقدر مناسب كذلك.
وللنظر أيضاً إلى هذا الجهاز وكيف يؤثر على الجهاز العضلي للإنسان حتى يجعله يقوم بعمل ما يتفق مع المواقف التي يعيشها الإنسان. فكل حركة من الجهاز العضلي قد حسبت طاقاتها حساباً دقيقاً وانسابت من مراكز المخ شرارات كهربائية إلى عضلات الإنسان لتقوم بعمل ما مناسب للأحاسيس التي أثارت الخلايا العصبية بعد أن ينفعل الإنسان بهذه الأحاسيس وثارت في خلاياه الداخلية تيارات على هذا الانفعال فتجري في أعصابه إلى عضلاته شرارات أخرى تثير العمل.
رجاء علي