من الصفات الحميدة التي اتصف بها المسلمون خصوصا الجيل الأول من الصحابة الفريد من نوعه ومن جاء بعدهم واقتدى بنهجهم القويم صفة الود وإظهار المحبة بينهم، تاركين وراءهم التفاخر بالأعراق والأنساب والجاه والمنصب الدنيوي ومنتهجين في تعاملهم نهج الإخوة الإسلامية «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ» الحجرات/10.

فهذه الميزة من المؤهلات الحسنة التي أهلتهم لان يكونوا أعلاما ترفرف فوق الأرض تسمو أخلاقهم وسلوكياتهم الطيبة ويترجم ذلك أقوالهم وأفعالهم التي اتصفوا بها على مر العصور والأماكن التي قطنوها فكانت أفكارهم القويمة سائدة بينهم استقرت في عقولهم فقادوا البشرية إلى بر الأمان ينشرون الإسلام والسلام فانقادت لحضارة الإسلامية الإنسانية شعوب كثير من مختلف الأجناس والأعراق على كل ذلك من خلال تعاليم دينهم القويم متحابين ومتآلفين ومتوادين ومتعاونين في الحل والترحال في المال والحال، في السراء والضراء ووقت الرخاء وعند الشدّة الكل يشد من أزر الآخر.

فلو لم يكن للود والمحبة شأن عظيم في علاقة المسلمين بعضهم ببعض لما تعايش المسلمون سلميا فيما بينهم ومن خالفهم في الاعتقاد ولم يكن للحضارة الإسلامية أيضا أن تنتشر سلميا في ذلك العصر ويتأثر بها الناس في تلك العصور وبعض عقلاء البشر المعاصرين من غير المسلمين فلم يكن للأحقاد آنذاك سبيل ولا للضغائن طريق.. فأفضل ما كان المسلمون عليه المحبة والودّ والتراحم فهو النهج المعهود عندهم فاستحقوا تلك المكانة الرفيعة.

ولابد للمعاصرين من اتباعهم إذا أرادوا تحقيق التعايش السلمي بينهم أن يسلكوا نفس الطريقة السالفة لكي ترفرف راية الإسلام ومبادئه السمحة مرة أخرى ولا يتم ذلك ويتحقق إلا من خلال الاستمساك بحبل الله المتين ودينه القويم نابذين وراءهم كل طريقة تخالف ذلك سواء تلك التي ترفع شعارات بالفرقة أو التي تسعى جاهدة لإثارة نار الفتنة بين المسلمين فعلى المسلمين أن ينادوا بشعار الوفاق وان يظهر كل واحد منهم ذكرا كان أو أنثى الود والمحبة لأخيه المسلم أينما كان وحيثما حل فالاتحاد يولد القوة دائما.

فالتواصل والترابط والتعاطف أمر ضروري في عصرنا الحاضر لأنه يكون سببا من أسباب الود وإظهار شعار المحبة بين المسلمين وحسبنا أن القرآن الكريم قد ربط العلاقة بين الناس بالتعاون على البر والتقوى «وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» المائدة/2.

فمن ثمار هذا الودّ التعاون على الخير والصلاح والبر والتقوى الذي يكون سببا من الأسباب التي تنزع الأحقاد من القلوب الضعيفة ويقتلع أمراضا كثيرة كالحسد والغيبة والنميمة وكذلك الطعن في الآخرين والتقليل من شأنهم والود وإظهار المحبة للمسلمين تجعلهم كالجسد الواحد الكل يشعر بأخيه في السراء والضراء روى الإمام البخاري (ت 256 ه) من طريق النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى).

وتجسيدا لمبدأ الودّ هذه بعض الأقوال. قال أمير المؤمنين الفاروق عمر (ت 23 ه) رضي الله عن التودد: «ثلاث يُصفين لك ودّ أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيتهُ أولا، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه»، والتودّد لا يكون إلا في طريق البر والمعروف الذي يكون سبيل تحقيق المصالح بين المسلمين.

ويكون هذا البر طريق من طرق التعايش السلمي بينهم قال: العلامة علي بن محمد (ت 450 ه) المشهور بالماوردي «البر هو المعروف ويتنوع نوعين قولا وعملا، فأما القول فهو طيب الكلام وحسن البشر، والتودّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورقة الطبع، ويجب أن يكون محددا كالسخاء، فانه إن أسرف فيه كان ملقا مذموما، وان توسط واقتصد فيه كان معروفا وبرا محمودا».

إبراهيم بن حبيب السعدي