في الوقت الذي ضرب فيه الغلاء كل المجالات، تغيرت لدى شريحة من المستهلكين كثير من مفاهيم الشراء والاستهلاك ونتج عن ذلك ثقافة استهلاكية تراوحت بين السلبية والإيجابية، فاتجه البعض للأرخص بغض النظر عن النوعية، أو قطع مسافات إلى إمارات أخرى جرياً وراء رخص الأسعار فيها.

وفي ضوء ذلك يلجأ كثير من التجار في مواسم معينة إلى طرح منتجاتهم بأسعار مخفضة تصل في بعض الأحيان إلى ما دون سعر التكلفة لتصريف الكاسد منها نظراً لتغير المواسم أو لجذب الزبون، الأمر الذي يستغله المستهلك للتزود بما يحتاجه بكمية أكبر وسعر أقل.

محمد حياني أحد الذين يترقبون التخفيضات ويقول إن ظاهرة غلاء الأسعار التي طالت كثيراً من المواد جعلت رب الأسرة يترقب ويبحث عن منافذ للبيع بسعر أقل خصوصاً مع دخول فصل الصيف وموسم الإجازات الذي يكلف رب العائلة كثيراً من الأعباء التي ينوء كاهله بحملها.

ويضيف حياني أن التخفيضات في الماضي كانت لا تهم شريحة كبيرة ممن لا يؤثر عليهم الانخفاض البسيط في أسعار السلع لكن الآن أصبحت التخفيضات تهم جميع الناس ومن مظاهرها الازدحام الشديد الذي تشهده هذه المحال بالإضافة إلى التزود بكميات فوق الحاجة وللمستقبل أيضاً فأنا أنتظر مولودة الشهر المقبل لذلك بدأت شراء الملابس لها من الآن استغلالاً لموسم التخفيض لأنه ربما لا تسنح لي هذه الفرصة بعد شهر.

ويذكر حياني أن هناك بعض العائلات ممن يقطعون مسافات طويلة في الذهاب إلى إمارات أخرى بغية الشراء بسعر أرخص مما هو موجود في الإمارة التي يقطنها وهذا غالباً ما يكون أيام الإجازات فمن جهة يقضون إجازة ويروحون عن أنفسهم وفي عودتهم يتبضعون بسعر رخيص.

أما عبد القادر رحمة الله البلوشي فيقول إن الناس مع ارتفاع أسعار السلع بدأوا يبحثون عن الأرخص وينتظرون المواسم التي تكون فيها البضاعة بسعر منخفض ولو على حساب النوعية التي أصبحت في المقام الثاني بعد سعر السلعة في أولويات الناس، ويرى البلوشي أن تفاوت الأسعار بين إمارة وأخرى وبين محل وآخر جعل الناس يقطعون مسافات كبيرة للتزود بالمواد من أماكن مختلفة، فأصبحنا نرى أناساً يذهبون إلى أبوظبي للتزود بالمواد الغذائية لأنها تباع هناك بسعر التكلفة، وما إن يسمع الناس أن هناك محلاً فيه تخفيضات حتى ترى الإقبال الكبير والسريع على البضاعة في حين هذا الأمر لم نكن نلاحظه قبل فترة لأن الأسعار كانت متقاربة بين التخفيض وعدمه.

ومن وجهة نظر فراس حسن فإن المستفيد الأكبر من التخفيضات هم فئة ذوي الدخل المحدود التي ترى في مثل هذه المواسم متنفساً لها من ضغط الغلاء الذي ضرب في كل المجالات، وهي فرصة يجب أن يستغلها المستهلكون لأن البضاعة تباع بأسعار معقولة فلدي ابنة في عمر السنتين أشتري لها ملابس بمقاس ابنة السنتين ونصف لأنه ربما لا أجد تخفيضاً عندما أريد أن أشتري لها بعد ستة أشهر وطالما وجدت لدي النقود لذلك أوفر على نفسي بالشراء الآن، والمواد كلها في ارتفاع وليست في انخفاض.

وذكر حسن أن أغلب المحال تلجأ للتخفيضات كسياسة لتسويق البضاعة الكاسدة لديها مع قرب مواسم معينة كانتهاء الشتاء وقرب الصيف أو العكس أو في مواسم الإجازات، وهي في ذلك تجر الزبائن إليها وتنفد بضاعتها الكاسدة ولا أظن أن هناك تاجراً يخسر في مثل هذه التخفيضات لأنه يخفض هامش الربح وليس رأس المال.

أما عصام محمد فيقول إن التجار يلجأون إلى التخفيضات في مواسم معينة عندما يكون الإقبال على بضاعتهم ضعيفاً كهذه الأيام التي أرهق فيها كاهل رب الأسرة نتيجة الغلاء فطالما الناس لا تتوفر لديهم السيولة الكافية للشراء فإن ذلك بالتالي ينعكس على السوق ركوداً في حركة البيع والشراء نظراً لأولويات الناس، فيلجأ التاجر إلى التخفيضات ليحرك بضاعته ويمنع عنها الكساد. وكثير من الناس يؤجل شراء الأشياء التي لا تلح عليه إلى أيام التخفيضات.

ويرى محمد أن التخفيضات تساهم بشكل كبير في اتخاذ المستهلك قرار شراء أشياء غير ضرورية استغلالاً للتخفيض في سعر السلعة، وأصبح هم الناس هو السعر فقط وليس النوعية وهذا من نتائج وإفرازات الغلاء الذي غير كثيراً من المفاهيم لدى المستهلكين، فأرى بعض الناس من يشتري أشياء ليس له بها حاجة لا لشيء سوى لأنه في نظره يستغل التخفيض ورخص الأسعار.

طعم التخفيضات

وذكر الدكتور جمال السعيدي المدير التنفيذي لجمعية الإمارات لحماية المستهلك أن بعض التجار يلجأون إلى التخفيضات كطعم لجذب المستهلكين بنوع من الإغراء والبهرجة وكما يقال في المثل الشعبي (العين تأكل قبل الفم) فيستغل البائع حاجة المستهلك وضيق اليد لديه نتيجة الغلاء غير أن التخفيضات بوجه عام تعد ظاهرة صحية إن كانت حقيقية وغير وهمية لأنها توفر كثيراً من الأموال فالتاجر يقتطع جزءاً من الأرباح وليس من رأس المال.

ويتحرى أوقاتاً معينة لطرح بضاعته على الزبائن مخفضة كبداية الشهر أو في نهاية موسم وهذا الأمر مفيد لطرفي العملية الاقتصادية سواء البائع أو المشتري فالبائع بدل كساد البضاعة في مخازنه يدورها عن طريق تسييلها وبيعها، أما المشتري فيستفيد لحظة بلحظة فيشتري كماً أكبر بمال أقل وهو ما يدعى ب(اليد الخفية) وهو معرفة كيفية الموازنة لأصناف المجتمع بمقاييس مختلفة.

استطلاع: زاهر العلي