دعا العلماء الجمهور إلى المسارعة للتبرع بالدم والاستجابة للحملات التي تنظمها بنوك الدم في الدولة لإنقاذ حياة بعض المرضى الذين يحتاجون إلى نقل دم في فترات متقاربة، مؤكدين أن من يقوم بذلك يكون قد استجاب لدعوة الإسلام الذي جعل حياة الإنسان وحياة المسلم من الأولويات.

وقد أجمع الفقهاء على حرمة بيع الدم من قبل المتبرعين، واشترطوا أن يكون التبرع دون عِوَض مالي، وقد جاء في فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في الدورة 11 المنعقدة في الفترة 13-20 رجب 1409هـ الموافق 19-26 فبراير 1989م : (أما حكم أخذ العوض عن الدم، وبعبارة أخرى بيع الدم، فقد رأى المجلس أنه لا يجوز، لأنه من المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم مع الميتة ولحم الخنزير، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه ، وقد صحَّ في الحديث : «إنَّ الله تعالى إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنَه».

ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه للأغراض الطبية، ولا يوجد من يتبرع إلا بِعِوَضٍ، فإن الضرورات تبيح المحظورات ، بقدر ما ترتفع الضرورة، وعندئذ يحلُّ للمشتري دفع العوض ويكون الإثم على الآخذ، ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهِبَة أو المكافأة تشجيعاً على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري لأنه يكون من باب التبرعات لا من باب المعاوضات.

قد فصل بعض العلماء: بأنه إذا أخذ من الإنسان قدراً من الدم قليلاً لا يؤثر في بدنه، فإنه لا يفطر بذلك، سواء أخذه للتحليل أو لتشخيص المرض، أو أخذه للتبرع به لشخص يحتاج إليه. أما إذا أخذ من الدم كمية كبيرة يلحق البدن بها ضعف فإنه يفطر بذلك، قياساً على الحجامة التي ثبتت السنة بأنها مفطرة للصائم.

وقد أفتى الأزهر الشريف بأنه زإذا توقف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته على نقل الدم من آخر بألا يوجد من المباح ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته جاز نقل الدم إليه بلا شبهة؛ ولو من غير مسلم. وكذلك إذا توقفت سلامة عضو وقيام هذا العضو بما خلقه الله له على ذلك جاز نقل الدم إليه، أما إذا لم يتوقف أصل الشفاء على ذلك ولكن يتوقف عليه تعجيل الشفاء فنصوص الشافعية تفيد أنه يجوز نقل الدم لتعجيل الشفاء.

يقول الدكتور عمر الخطيب مساعد المدير العام للشؤون الإسلامية في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي إن التبرع بالدم في عصرنا الحاضر ضرورة من ضرورات الحياة والشرع ينظر دائما إلى مصالح الناس وخاصة إذا كانت المصلحة مرتبطة بالحياة وإنقاذ هذه الحياة، مؤكدا أن الإسلام يضع حياة الإنسان عامة والمسلم خاصة في مرتبة أعلى في الأولويات.

وأوضح الدكتور عمر الخطيب أن التبرع بالدم من الناحية الشرعية لا شيء فيه إن كان من باب التبرع وليس من باب أخذ الأجر المادي أو العوض المادي عليه لأن الأجر والثواب أكبر وأجزل لأن في ذلك إنقاذا لحياة مرضى يحتاجون إلى هذا الدم، وقال إن ديننا الحنيف حث على التبرع وحبذ هذا الأمر ودعا إليه.

مشيرا إلى أن قطاع الشؤون الإسلامية بالدائرة كان له دور في الحض على التبرع بالدم من خلال الخطب والدروس بالتنسيق مع هيئة الصحة بدبي لتوعية الجمهور من المنظور الإسلامي ومن منظور الفائدة الدينية والشرعية التي يحصل عليها المسلم حين يقوم بهذا العمل للجهات الرسمية المعنية. وأكد الدكتور الخطيب أن الاستجابة كانت كبيرة وظهر ذلك من الاستفسارات والأسئلة التي وصلت إلى الدائرة بعد هذه الخطب والدروس، وقال إن هذا يدل على أن رسالة الدائرة في هذا الجانب قد وصلت إلى الجمهور.

ودعا الدكتور الخطيب المواطنين والمقيمين أن لا يتوانوا عن هذا العمل وتقديم العون والمساعدة للجهات الرسمية فربما قطرة دم تحفظ حياة إنسان من الموت أو تدهور حالته. وقال إن الحث على التبرع يجب أن يكون في الأوقات التي تسبق شهور الصيف وشهر رمضان حتى لا تقل الكمية التي يحتاج إليها المرضى، في هذا التوقيت وخاصة أن شهور الصيف تشهد سفرا من الكثيرين خارج الدولة، أو خوف البعض من التبرع خلال شهر رمضان على الرغم من أن التبرع يمكن أن يكون في أوقات الليل، وليس في نهار رمضان.

وأضاف أن الدائرة تخصص الخطبة الثانية من خطبة الجمعة لهذا الأمر مع الدروس والندوات المختلفة داخل إمارة دبي والتركيز على أهمية التبرع. ويقول الدكتور سيف الجابري مدير إدارة الأبحاث بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي إن مسألة التبرع بالدم مسالة حيوية في ظل وجود أمراض وحوادث مرورية وإجراء العمليات الجراحية التي يحتاج أصحابها إلى نقل دم مستمر، فتزيد الحاجة على وجود دم في المستشفيات وفي الهيئات الصحية لإنقاذ حياة هؤلاء المرضى.

وأكد الدكتور الجابري أن قضية نقل الدم قضية اجتماعية إنسانية وتعاونية، حث الله سبحانه وتعالى المسلمين على فعل هذا العمل التعاوني فقال سبحانه «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، وقال: لقد أباح العلماء وأجازوا التبرع بالدم ونقله للمريض لإنقاذ حياته، وخاصة أن الدم لا يمكن تصنيعه في معامل خارج جسم الإنسان، وإنما هو صناعة ربانية يحمله الإنسان، ويتجدد باستمرار فلا يخشى المتبرع من نقص دمه، على العكس فكلما تبرع الإنسان بالدم تجدد هذا الدم، ولذلك فغن البعض يلجأ إلى الحجامة ليخرج الدم الفاسد، أما التبرع فإنه يخرج دما نقيا فلا يحتاج المتبرع إلى الحجامة.

وقال إن على المتبرع أن يحتسب الأجر والثواب من عند الله على ما قام به من فعل للخير فقال صلى الله عليه وسلم: «وفي كل كبد رطبة اجر»، أي أن المسلم يحصل على الثواب والأجر في كل عمل خيري يقوم به لأي إنسان. وأضاف أنه يجب على جميع الجهات المعنية أن تقوم بدورها في حث الناس على التبرع بالدم وان يكون ذلك على مدار العام وليس في أوقات أو مواسم معينة

دبي ـ السيد الطنطاوي