عني الإسلام بالطفل من جميع النواحي ليخرج إلى الحياة قوي الجسم سليم النفس، وقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم وهو أدرى بما يصح جسمه به وبما تصح نفسه به، وعناية الإسلام بالطفل تبدأ قبل ولادته وذلك بتهيئة الجو الملائم الذي يربى فيه بحيث يخرج إلى الحياة سليما قوياً قائماً بواجبه نحو ربه ونحو نفسه ونحو مجتمعه وبذلك يشعر بالرضا والسعادة، واشترط في اختيار الوالدين الدين وجعل البيت قائماً على أساس من المودة والرحمة وحدد واجبات الوالدين في معاملة الأبناء من ناحية الرضاعة والعناية بالنواحي الجسمية والنفسية والعقلية.
فالبيت الأمثل صلة روحية ورحمة ومودة بين ساكنيه ففيه تنبعث عواطف المحبة والتضحية والتعاون، وخير العواطف عواطف الصداقة والاحترام واحترام الطفل لأبويه الذي هو أساس احترامه لنفسه، فيه يتعلم الطفل معنى الانضباط وقيمته ويتقبله طوعاً من والديه فقد عرف أن فيه خيره من هذا البيت فيخرج إلى الحياة مزوداً بطاقة من العواطف الراضية الحميدة تكون في يده سلاحاً للكفاح كما تكون أماناً من العلل النفسية في مستقبل كل حياته .
والمجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه الطفل مجتمع يقوم على المودة والثقة والتعاطف والتعاون فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والمؤمن يقيم العدالة في الأرض وهو في رعاية الله وهو يحس بهذه المقاييس الجديدة الخاصة بالمجتمع الإسلامي الذي أراده الله، والمؤمن ملتزم بالقرآن الذي أنزله الله ليكون فيه شفاء ورحمة للمؤمنين (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين). ذلك لأن الإيمان نور يشرق في القلب فتشرق به النفس فيرى الإنسان الطريق أمامه واضحاً فلا يصيبه اضطراب ولا قلق.
وعقيدة الإسلام حين تتغلغل في النفس تدفعها إلى سلوك إيجابي سليم يجعل المؤمن ثابتاً (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة..) والإسلام يهيئ النفس المسلمة المطمئنة لتحمل صعوبات الحياة (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) وبمقدار صبر الإنسان على ما يلقى يكون ثوابه وأجره (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
فالإنسان يخاف من المرض والإسلام يطلب من المسلم أن يكون صابراً فكل ما يصيب المؤمن يثاب عليه حتى الشوكة يشاكها - والمسلم بخير على كل حال إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له.. وقد يخاف من ضغط الحياة عليه لسبب من الأسباب والرسول الكريم يبين للمسلم أن يكون على صلة بالله ولا يهمه الناس لأنهم لا يملكون له نفعاً ولا ضراً ولو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا ما كتبه الله له ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.
والإسلام يربي أبناءه على البعد عن الحقد والكراهية والحسد وقد أثبت العلم الحديث أن لهذا كله تأثير على جسم الإنسان وعلى نفسه فهو يرفع ضغط الدم ويحدث جفافاً واضطرابات خطيرة في الغدد الصماء وعسراً دائماً في الهضم والامتصاص والتمثيل الغذائي وأرقاً وشروداً.. والنفور والاشمئزاز يؤديان إلى أمراض نفسية كالحساسية والحساسية ذاتها نوع من أنواع النفور، نفور الجسم من مواد غريبة عليه .
والإسلام يربي أبناءه على الأمل والبعد عن اليأس فاليأس والإيمان لا يجتمعان في قلب مؤمن، ومقاومة الجسم للأمراض تكون على أعلى مستوى من الكفاءة إذا كان هناك انسجام بين الخلايا والغدد والأعصاب وهي حالة تريد في النهاية إلى صورة من صور الائتلاف الكامل بين النفس والجسد .. ولهذا يرى الأطباء أن الأنفلونزا تعاود الإنسان بكثرة لأسباب نفسية حقيقية أنه لابد من وجود أسباب ولكن لابد أيضاً من وجود قابلية للعدوى والقابلية حالة نفسية كما أنها حالة جسمية.
فالمؤمنون الصادقون الذين سلمت نفوسهم وصفت قلوبهم بإخلاص الإيمان لا يتعرضوا مطلقاً للأمراض النفسية التي تجر وراءها الأمراض البدنية بنوعيها، لا تظهر إلا مع ضعف الإيمان أو مع فقدانه حين تتسرب الوساوس إلى النفس فتنشأ العقد وتكثر الحاجة إلى الأدوية المنشطة والمهدئة والمخدرة التي لا يعتدل بها ما اعوج من النفوس وسيظل الصراع قائماً في خفايا النفس التي ضعف إيمانها .
رجاء علي