أثناء ترددي على إحدى المؤسسات لإنهاء بعض المعاملات تقابلت مع مسؤول فيها وجرى بيني وبينه حوار قصير بخصوص ما جئت به وشاءت الأقدار أن ألتقي به أكثر من مرة، وفي كل مرة أجده متجهما عبوساً وكأني به لا يعرف البسمة والبسمة لا تعرف له طريقاً لدرجة أن زملاءه أخبروني أنه هكذا طوال الدوام الرسمي، ظناً منه أن هذه التكشيرة تكمل شخصيته وتجعل من يعمل معه يهابه ويخشاه في غيابه وحضوره ونسي هذا المسؤول أن بشاشة الوجه أجود من سخاء الكف وأن البسمة هي الطريق إلى قلوب الآخرين، فبدلاً من أن يدعو عليه يدعو له، والإنسان في حاجة إلى دعوة صادقة من رجل صالح،

وطالما أن دولاب العمل لا يتوقف وكل إنسان يؤدي ما عليه فلماذا إذن التجهم في وجوه الناس، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تبسمك في وجه أخيك صدقة.

والتوازن النفسي عند الفرد يتمثل في ضبط النفس، بمعنى عدم الإفراط في الفرح والإغراق في الحزن والإنسان هو الإنسان في أي وقت وفي أي مكان لا يمنعه أن يكون فكهاً تسري في أوصاله روح الدعابة المضبوطة، التي لا تخرجه عن حد الاعتدال أو تؤثر على وقاره بين الناس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق.

وما اكتسب المحامد طالبوها بمثل البشر والوجه الطليق، كما قيل. روي عن الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت طليق الوجه. «رواه ابن أبي الدنيا وهو مرسل» وجميل من الإنسان أن يبدأ اللقاء في أي زمان وفي أي مكان، يبدأه بابتسامة وأجمل منه أن ينهيه بابتسامة أيضاً.

فالابتسامة تذيب الجليد وتجعل الإنسان يشعر بارتياح واطمئنان مع من يتعامل معه حتى لو لم تقض مصلحته، فالابتسامة مفتاح العلاقات الإنسانية الصافية المبنية على الحب والود.

قال الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: البشاشة حبال المودة.

وقال بعضهم: ليكن وجهك بساماً، وكلامك ليناً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة.

والسعداء حقاً هم أولئك الذين يعرفون بالضبط متى ينبغي أن يكونوا جادين ومتى ينبغي أن يكونوا باسمين.

فسيدنا سليمان عليه السلام لم يمنعه وقار الملك وكثرة عدد جيشه من أن يبتسم ضاحكاً من تحذير النملة لبني جنسها من خطر جنوده الداهم على حياتهم.

قال تعالى: «فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين».

روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلق أخاك بوجه طليق.(رواه مسلم).

ومعنى بوجه طليق: أي منبسط الوجه، متهللة ببشاشة ولطف.

وينهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستصغر الإنسان عملاً مهما قل وإن كان مثل إظهار المودة والبشاشة لأخيك. قال سفيان بن عيينة:

بُني إن البر شيء هين.. وجه طليق وكلام لين.

حامد واكد