في مركز الثلاسيميا التابع لمستشفى الوصل بدبي مناظر تدمي القلوب، فوجوه آباء وأمهات الأطفال المصابين بالمرض تروي معاناة لا تتوقف فصولها، وما يزيد من معاناتهم شعورهم بالذنب تجاه أبنائهم لعدم إقدامهم على إجراء الفحوص الطبية قبل الدخول إلى عش الزوجية، وانتظروا على أحر من الجمر قدوم مولودهم الأول وبناء أسرة سعيدة.
في المركز يلمس المرء معاناة الأطفال ويسمع قصصا وحكايات تذرف لها الدموع لا شعوريا، بيوت انهار بعضها بسبب الطلاق وتبادل الاتهامات بين الزوجين والكل يعيش على الأمل، خاصة مع التطور الطبي وظهور بعض العلاجات الناجعة مثل زراعة الخلايا الجذعية. والملفت للنظر في مرضى الثلاسيميا ذكاؤهم الخارق فهم يتمتعون بمستوى عال من الذكاء وهم أشخاص طبيعيون ومنتجون، واثبتوا كفاءة عالية في مختلف مواقع العمل ومنهم من يتقلد الآن مناصب قيادية في بعض الوزارات والدوائر المحلية وشركات القطاع الخاص، ولكن هناك في المقابل مئات الأشخاص يبحثون منذ سنوات عن فرص العمل وعندما يحصلون عليها ويتم اكتشاف أن الشخص مريض بالثلاسيميا يرفض طلبه بمبررات واهية.
مرضى الثلاسيميا ممن التقتهم «البيان» ناشدوا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي صاحب القلب الرحيم ومعالي مريم الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية التدخل شخصيا في هذا الموضوع وإلزام الوزارات والدوائر المحلية وشركات القطاع الخاص بتخصيص نسبة من الوظائف لهم حتى لا يتولد لديهم إحساس بأنهم منبوذون من المجتمع وإعطاؤهم الفرصة للإبداع والابتكار. الإرادة تنتصر وقد وجه خليفة محمد يوسف «23» سنة نداء إلى كافة القطاعات والمؤسسات بعدم إصدار الحكم الغيابي على مصابي الثلاسيميا من خلال تهميشهم ورفضهم في المجتمع مطالبا بمنح مرض الثلاسيميا فرصة لإثبات الذات وإبراز قدراتهم وطاقاتهم خاصة أنهم شباب بحاجة إلى دعم ، مشيرا إلى أن الموت الذي أخذ أرواح أصدقائه نتيجة إصابتهم بهذا المرض لم يكن وسيلة للهروب من الواقع أو انتظار الأجل والوقوف عند حد معين بل كان دافعا للمثابرة والارتباط بالدنيا أكثر.
وعن أساليب الرفض التي تتبعها مؤسسات المجتمع بعد إدراكها إصابة الفرد بالثلاسيميا قال: لقد حرصت على تقديم طلب الوظيفة في كافة الشركات في دبي والشارقة وحتى أبوظبي ويكون رد المسؤولين في البداية طبيعي بقراءة الطلب والرد فيما بعد، إلا أنهم في حال معرفتهم بإصابتي في الثلاسيميا يظهر الرفض بطريقة غير مباشرة أبرزها عدم وجود شواغر.
رفض الاستسلام
يمتلك علي أحمد «24» سنة عزيمة وإرادة جعلته يتغلب ويقهر المرض ويمارس حياته وهواياته بشكل طبيعي ومنها عشقه للمغامرات والرياضة وأبرزها رفع الأثقال لرفضه الاستسلام للمرض، ويضيف: نظرة سوق العمل السلبية له بالرفض المستمر في توظيفه يعتبر الهم الكبير الذي يحمله كون الوظيفة ليست مجرد أن يكون كبقية أصدقائه الطبيعيين الذين يعتمدون على أنفسهم بل من أجل رغبته في تكوين أسرة وعائلة.
وأضاف بعد البحث المستمر عن وظيفة وإدراكي مدى الدونية التي تحملها المؤسسات والجهات المجتمعية حول المرضى وإيمانها بعدم قدرتهم على العطاء أو العمل زادت رغبتي لإيجاد فرصة عمل من أجل إثبات أننا قادرون على العمل وأن الثلاسيميا ليست مرضا خبيثا أو معديا بل وراثي يتطلب من الأفراد المصابين به الاعتناء بأنفسهم أكثر وتناول الدواء ونقل الدم في الوقت المحدد .
مشيرا في الوقت ذاته إلى ضرورة أن يسعى مركز الثلاسيميا في إيجاد فرص عمل مناسبة من أجل إثبات أن الشخص المصاب بالثلاسيميا طبيعي وله دور ايجابي في المجتمع. ويخطط علي احمد لبناء أسرة والاعتماد على الذات بعد الله سبحانه وتعالى في تلبية كافة الاحتياجات.
نظرة المجتمع
وبدورها أعربت زهرة رسول «27» سنة عن استيائها من نظرة المجتمع السلبية لمصاب الثلاسيميا والذي ترفض تسميته بالمريض كونه إنسانا طبيعيا ويحتاج فقط كل شهر لنقل دم مع تناول الدواء بشكل يومي، مضيفة أنها بالرغم من حرصها على نيل شهادة الثانوية العامة والتي حالت الظروف المادية من استكمال دراستها الجامعية فلم يكن أمامها سوى طرق أبواب المؤسسات والجهات المجتمعية بحثا عن وظيفة ولكن دون جدوى.
وأضافت: إن الرفض المتواصل من قبل هذه المؤسسات سبب لي الإحباط خاصة أنني قادرة على العمل والعطاء لخدمة المجتمع، موضحة أن العمل هو السبيل الوحيد لتغيير النظرة السلبية حول مصاب الثلاسيميا لإدراك قدرته على العمل ومدى تحمله لأمور الحياة لاسيما أن المرض علمني الصبر وقوة التحمل وكيفية القضاء على الخجل الذي لازمني في صغري من خلال ابتعادي عن الناس رغبة في عدم الخوض في أحاديث حول طبيعة الإصابة وعلاجها.
البحث عن الوظيفة
أما خليفة محمود «20» سنة فيبحث عن وظيفة منذ قرابة ستة أشهر إلا أن الرفض بقي كالظل يلازمه في كل مكان وعلى الرغم من أنه لا يطلب المعجزة أو اعتلاء أرقى المناصب بل وظيفة بسيطة تؤمن له مستقبله إلا أنه لم ينل مراده ، متسائلا لماذا تمتلك مختلف الجهات العملية النظرة الدونية ذاتها لمريض الثلاسيميا وتعتبره إنسانا فاشلا قبل أن تضعه في اختبار؟.
وأضاف لقد حرصت على متابعة تعليمي المدرسي ومواجهة العقبات المختلفة خلال سنوات عمري إلى جانب انخراطي في دورات في الحاسب الآلي واللغة الانجليزية وكله في سبيل العمل ولكن دون جدوى، مطالبا تكاتف المسؤولين في منح المصابين بالمرض فرصة لإثبات ذاتهم وتحقيق طموحاتهم للعيش كبقية أقرانهم.
دراسة وعمل
الشقيقان حامد أحمد 22 عاماً، وأخيه راشد الذي يصغره بعامين، يعتبران مثالا للإرادة القوية والعزيمة التي لا تلين، فهما يدرسان بكلية التقنية تخصص تكنولوجيا المعلومات، ويعملان في إدارة الجنسية والإقامة بدبي بنفس الوقت.
علم أهل حامد بالمرض وهو بعمر أربع سنوات، حيث كان يعاني منذ الصغر من انتفاخ، واعتقد الأطباء أنه يعاني من نقص بالحديد، فوصفوا له الحديد كدواء، مما أثر أكثر على وضعه الصحي، بعدها بأشهر جاءت المفاجأة للأهل كالصاعقة بعد أن اخبرهما الطبيب المعالج أن حامد مصاب بمرض وراثي يسمى الثلاسيميا، وقد كان أول حالة مرضية بالعائلة، بالرغم من أنها التجربة الأولى بالعائلة، إلا أن وعي الأهل كان جيدا وتعاملوا مع الإصابة بشكل طبيعي، وبدأت بعدها رحلة العلاج.
وبعد فترة بسيطة علم الأهل بإصابة راشد بالمرض نفسه، وبدأ الشقيقان يأخذان الدواء معاً، وبسبب عدم وجود كميات دم كافية في بعض الأوقات وغياب بنك الدم بتلك الفترة، كانا يأخذان كميات قليلة ربما وحدة أو نصف وحدة، وهما بحاجة إلى ثلاث وحدات على الأقل. ومع تطور وتقدم المرض بات لزاما على الأخوين تغيير الدم كل 20 يوما. ويحظى حامد وراشد بمعاملة خاصة من الكلية والعمل، بسبب وضعهما الصحي، وبالرغم من أن والدهما مستعد لعمل فحوصات تطابق الأنسجة للتبرع لهم، إلا أنهم لا يفكران بإجراء العملية، بسبب المضاعفات المتوقعة، ونسبة نجاحها المنخفضة.
رحلة البحث مستمرة
سارة عبد الله 20 عاماً، وتدرس في كلية تقنية - الشارقة وتعتزم التخصص في العلوم الصحية وتحديدا المختبرات، علها تجد يوما حلا جذريا للمرض.
عانت سارة من نظرة الشفقة أيام الدارسة، بسبب غيابها المتكرر، ومراعاة المدرسات لوضعها الصحي، كما أنها حرمت من طفولتها إلى حد ما، بسبب وضع الدواء عن طريق المضخة والإبرة لمدة 12 ساعة يوميا. وتأمل سارة أن تجد متبرعا لها بنخاع العظم ولم تفقد الأمل بل ما زالت تنتظر أن يرن هاتفها النقال أو هاتف منزلها لإخبارها أن إحدى الجهات المحلية أو العالمية قد وجدت خلايا جذعيه مطابقة لها للتخلص من المرض إلى الأبد.
وتتمنى سارة أن تتغير نظرة المجتمع لمرضى الثلاسيميا، لأنهم أشخاص طبيعيون ومنتجون وتأمل أن تحصل هي وأقرانها على فرص العمل حتى لا يشعروا بأنهم عاطلون عن العمل الأمر الذي سيزيد من معاناتهم، خاصة وأن مرض الثلاسيميا يعد من الأمراض ذات الكلفة العلاجية العالية، ويضع شريحة من المرضى تحت وطأة أوضاع صعبة. وطالبت سارة بضرورة إعطاء الفرصة لمريض الثلاسيميا، ليثبت أنه إنسان طبيعي قادر على الإنتاج بكفاءة عالية.
عبرة للغير
كلثم عبد الله أم لثلاث بنات مصابات بالثلاسيميا، (مريم وعمرها ست سنوات، وسارة أربع سنوات، ودانا سنة وثلاثة أشهر) ، متزوجة منذ سبع سنوات من ابن خالها، وعلى الرغم من وجود حالات مرضية بالعائلة، إلا أنهما لم يقوما بعمل الفحص الطبي قبل الزواج، لأنه لم يكن في السابق إلزاميا لعقد القران.
بعد سنة من الزواج رزقت كلثم بمولودتها الأولى مريم ولم تظهر عليها أعراض المرض، لكنها في شهرها الرابع بدأت تعاني من إمساك شديد، وكانت تراجع مستشفى الفجيرة، ، لكن تكرار الزيارة جعل الطبيب يشك في أمرها فطلب بعض الفحوصات وصور الأشعة والتي أظهرت تضخما في الطحال وتم تشخيص المرض ودخلت مريم في دوامة العلاج والمستشفيات.
بعد سنتين من المعاناة مع مريم، حملت كلثم في الطفلة الثانية «سارة»، ولم تجر الفحص الطبي أثناء الحمل، لاعتقادها أن طفلها الثاني لن يعاني من نفس المرض، وبالفعل ولدت سارة ولم تعان من أي مشكلات صحية وكان نشاطها طبيعيا جداً، لكن كلثم أثناء تواجدها بمركز الثلاسيميا بمرافقة مريم، لتزويدها بالدم، قامت بفحص سارة وعمرها سبعة أشهر، وبينت النتيجة أنها مصابة بالثلاسيميا، وهنا كانت الصدمة الكبرى للجميع، خصوصاً أن أعراض المرض لم تكن تظهر عليها.
أثناء هذا الوقت بدأت كلثم رحلة البحث عن متبرع لمريم وسارة، وتبرع جميع أفراد عائلة زوجها بالنخاع ولكن نظرا لعدم تطابق الأنسجة تعذر إجراء عملية لزراعة النخاع ، وبدأت الآن بعمل فحوصات لعائلتها ولم تيأس ولم تقنط من رحمة الله وما زال الأمل يحدوها بأن تجد العلاج الناجع يوما ما.
بعد ثلاث سنوات حملت مريم بطفلتها الثالثة «دانا»، ومنذ البداية أجرت الفحص وتبين أن الجنين حامل للمرض، فحاولت إجهاض الجنين مستعينة بالتقارير الطبية لكنها، لم تنجح، وبعدها قصدت إيران، لأنها سمعت بوجود دواء هناك، لكنه لم يكن مناسبا لنوع الثلاسيميا التي تعاني منها مريم، وسارة، حيث أنهما مصابتان بالثلاسيميا الكبرى أو ما تعرف بـ «البيتا ثلاسيميا».
وأثناء وجودها هناك حاولت أن تجهض الجنين، لكن المستشفيات طلبت موافقة السفارة الإماراتية، فراجعت السفارة وعرضت على موظفيها التقارير الطبية، لكنهم رفضوا إعطاءها الموافقة، بحجة أن الممنوع داخل الدولة على المواطنين، ممنوع خارجها، علماً أن حملها لم يتعد الأسبوع الثامن، وبسبب هذه القوانين تكررت مأساة مريم مع طفلتها الثالثة.
معاناة من نوع آخر
في إمارة الفجيرة يعاني مرضى الثلاسيميا من نوع آخر حيث يقول سعيد المطروشي ولديه أربعة أبناء مصابين بالمرض نقص الدم العام الماضي كاد أن يتسبب في فقدانه لأحد أبنائه حيث أن احدهم احتاج إلى نقل دم بشكل مستعجل ولعدم توفره اضطر ابنه ليعيش يوما بأكمله وهو يصارع الألم والخوف على أن يوفر له في اليوم التالي، إلا انه اضطر إلى الانتظار مدة يومين آخرين لينقل الدم أخيرا لابنه ليدخل في حمى شديدة استدعت معالجته بالأدوية والراحة التامة، وطالب المطروشي بوجود قسم خاص لمرضى الثلاسيميا وكادر طبي يتناسب مع الأعداد الموجودة من مرضى الثلاسيميا لتوفير الرعاية اللازمة لهم.
المطالبة باستبعاد «الثلاسيميا» من شهادة اللياقة الصحية
أكد عبد الباسط مرداس رئيس جمعية الثلاسيميا أن شهادة خلو الأمراض التي تطلبها المؤسسات هي بمثابة تنويه إلى أن الشخص مصاب بالثلاسيميا، مما يشكل عائقا في طريق المصاب للحصول على فرصة للعمل، وطالب بإلغاء مرض الثلاسيميا من الشهادة، لاعتباره مرضا غير معد.
وبين أن الجمعية تساهم بتقديم المساعدات المادية للمرضى، مشيرا إلى أن الجمعية تقدم أكثر من 200 ألف درهم سنوياً لأسر المرضى المحتاجين، إضافة لأكثر من (80) مضخة «ديسفرال» للمرضى المعوزين وأكثر من (000, 3) علبة من دواء الديسفرال للمرضى في مختلف أنحاء الدولة، وتجديد البطاقات الصحية لمرضى الثلاسيميا ممن ليس لديهم المقدرة المالية، كما تقوم بسداد الرسوم الدراسية والإيجارات عن بعض الحالات، وذلك بعد دراسة الحالة الاجتماعية والمادية لعائلته.
وأضاف بان الجمعية تقدم أيضا مساعدات معنوية تشمل الحفلات والمهرجانات، التي من شأنها التخفيف والترويح عن المرضى وأسرهم، وتنظم الرحلات خارج الدولة، حيث نظمت رحلة إلى عالم ديزني، كما تشارك مع وزارة وهيئة الصحة برحلة الأمل التي أقيمت العام الماضي.
«الشؤون»: مساعدات اجتماعية لحالات «البيتاثلاسيميا»
في إدارة الفئات الخاصة بوزارة الشؤون الاجتماعية قالت وفاء بن سليمان مديرة الإدارة ان مرضى الثلاسيميا يندرجون تحت فئة ذوي الاحتياجات الخاصة (العجز الصحي) وهي الفئة التي تستحق الضمان الاجتماعي من بين الفئات التي تحصل على المساعدات وفقا للقانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2001.
فيما أوضح عبد الرحمن السوقي مدير إدارة الضمان الاجتماعي أن الحالات الشديدة حسب التوصيف المرضي هي التي تحصل على المساعدات الاجتماعية ويتم تصنيف الحالات أقل من 18 سنة (البيتاثلاسيميا) تحت بند المعاق الذي لا يستطيع العمل وكسب الرزق حسب لائحة القانون وتلك الحالات هي التي تحصل على المساعدات الاجتماعية.وأكد السوقي أن دورنا يقتصر فقط في تقديم المساعدات الاجتماعية لحالات المرض الشديدة حتى الآن.
وفي هيئة تنمية قالت نورة البدور مديرة مركز التوظيف وتنمية المهارات في الهيئة إن هناك صعوبة لتشغيل مرضى الثلاسيميا في الشركات التجارية بسبب رفضها توظيف حاملي المرض نظرا لتكاليف العلاج من خلال التأمين الصحي، مشيرا إلى أن حالة واحدة فقط تقدمت إلى الهيئة خلال السنوات الماضية ولم يتم توظيفها. أما بالنسبة لذوي الاعاقات الجسدية الأخرى فلا توجد أية مشكلة في توظيفهم في الشركات التجارية.
تحقيق: منال خالد، سمانا النصيرات، عائشة الكعبي
دبي ـ عادل السنهوري:


