تعتبر الثلاسيميا من أكثر أمراض الدم الوراثية انتشارا في الدولة وأكثرها كلفة على الصعيدين المادي والاجتماعي فمريض الثلاسيميا يكلف الدولة سنويا حوالي 25 ألف درهم للأدوية فقط وفقا للدكتور غازي تدمري مدير مساعد في المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية، ناهيك عن المعاناة النفسية والاجتماعية للمريض وأهله إضافة لخسارة أعداد كبيرة من الأطفال الذين نحن في أمس الحاجة لهم لاعتبارهم محور وعجلة التقدم والتطور الذي تشهده الدولة.
وقد أظهرت إحصائيات مركز الثلاسيميا في دبي أن زواج الأقارب مسؤول عن أكثر من 50% من حالات الثلاسيميا الكبرى (الحالات المرضية)، أي أن 50 % من المرضى الذين يراجعون المركز هم نتاج زواج الأقارب. وأشارت أحدث دراسات مركز الثلاسيميا وفقا لإحصائيات العام الماضي ولنهاية مارس الماضي أن نسبة الإصابة بالمرض تصل لأكثر من 12% أي أن من بين كل مئة شخص هناك 12 شخصا حاملين للبيتا ثلاسيميا وهي نسبة عالية جدا مقارنة بالنسب العالمية المتعارف عليها وهي 5,3% الأمر الذي يتطلب وقفة جادة لتدارك رحمة ورأفة بالأجيال القادمة. وانطلاقا من كون الإعلام شريكا استراتيجيا مع الوزارات والدوائر المحلية كافة فقد ارتأت «البيان» كونها لاعبا رئيسيا في نشر التوعية .
وإطلاق حملة للتوعية بالتعاون والتنسيق مع مركز الثلاسيميا وعلم الوراثة وكلنا أمل في أن تكلل حملتنا التوعوية في نهاية المطاف بوضع سياسة استراتيجية حكومية لسنوات عدة مقبلة تركز على وضع برنامج متكامل لفحص أفراد المجتمع وتوعيتهم بالمرض وتأثيراته النفسية والاجتماعية والصحية ومخاطر زواج الأقارب والحاملين لموروثة الثلاسيميا. فما هي الثلاسيميا وكيف تنتقل من الآباء إلى الأبناء وما هي أعراضها ومضاعفاتها وهل يمكن الحد من انتشارها؟ هذه التساؤلات وغيرها تجيب عنها الدكتورة خولة بالهول استشارية أمراض الدم الوراثية ومدير مركز الثلاسيميا وعلم الوراثة التابع لمستشفى الوصل من خلال هذا اللقاء:
* دكتورة خولة ما هي الثلاسيميا؟
ـ الثلاسيميا كلمة يونانية الأصل تعني فقر دم منطقة البحر الأبيض المتوسط ويعرف أيضا باسم أنيميا البحر المتوسط، وتعتبر من ابرز أمراض الدم الوراثية الانحلالية (التي تسبب تكسر كريات الدم الحمراء)، والثلاسيميا لا تنتقل عن طريق الدم والهواء أو الماء أو الاتصال الجسدي أو الجنسي كما أنها لا تحدث بسبب التغذية أو الظروف المعيشية والطبية السيئة وإنما ينتقل فقط بالوراثة.
المرض ينتشر في عدة مناطق من العالم ولكنها تكثر في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ( اليونان، مالطا، قبرص، تركيا وإيطاليا)، ومنطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط (إيران والعراق وسوريا والأردن وفلسطين)، وشمال أفريقيا (مصر وتونس والجزائر والمغرب وبعض من الدول الأفريقية الأخرى)، وجنوب آسيا وتشمل تايلاند والفلبين واندونيسيا وسنغافورة وكمبوديا وفيتنام وماليزيا، وشبه القارة الهندية، إضافة لدول أخرى كالصين وأرمينيا وجورجيا وأذربيجان.
* وهل هناك أنواع للثلاسيميا؟
ـ هناك نوعان من الثلاسيميا الأول ويطلق عليه «ألفا ثلاسيميا» وفيه يوجد الموروث المسؤول عن إنتاج مادة «الالفا جلوبين» على الصبغي رقم 16. وتوجد منه أربع نسخ (أي أربعة مورثات) اثنتان منها موجودة على الصبغي رقم 16 الآتي من الأم والاثنتان الأخريان موجودان على ألصبغي رقم 16 القادم من الأب، وأي خلل في هذه المورثات قد يسبب مشكلات صحية حسب عدد المورثات المصابة بالطفرة، وإذا أصابت الطفرة مورثا واحدا فقط فان الشخص لا يصاب بأي مشكلة صحية وتسمى هذه الحالة بالالفا ثلاسيميا الساكنة.
وفي العادة لا يعرف الشخص انه حامل لموروث معطوب. وقد يصعب التعرف على هذه الحالة حتى عند إجراء تحليل دم عادي (أي عدد كريات الحمراء والهيموجلوبين)، ولا يمكن الكشف عليه إلا بعمل فحص لحركة المورثات مباشرة، ولكن لو أصاب العطب مورثتين من هذه الأربعة فقط سمي الشخص حاملا لصفة الالفا الثلاسيميا ولا يصاب بأي مشاكل صحية.
وفي حال أصابت الطفرة ثلاثة مورثات من الأربعة يصاب الشخص بمرض يسمى بخضاب الدم «اتش» وعند ولادة الطفل المصاب بعطب في ثلاثة مورثات من نوع «ألفا» يكون لديه قلة في كمية الخضاب في كريات الدم الحمراء مع وجود خضاب يسمى بخضاب بارت وهو ناتج عن اتحاد أربع سلاسل من جلوبين جاما.
وبعد عدة أشهر يصاب (أي خلال الفترة تقل فيها كمية الجاما جلوبين في جسم الإنسان 9 يصاب الطفل بفقر دم من النوع المتوسط فيتراوح مستوى خضاب الدم بين 8 و10 غرامات لكل 100 مليمتر ويكون لديه تضخم في الطحال مع اصفرار وبشكل عام لا يحتاج الأطفال المصابون لنقل الدم أما البالغون فقد يحتاجون لنقل كميات من الدم أحيانا.
وفي حال أصابت الطفرة جميع المورثات الأربعة يصاب الجنين وهو في بطن أمه باستسقاء شديد في جميع الجسم نتيجة لوجود فقر دم حاد مع فشل في القلب كنتيجة ثانوية لنقص الخضاب في الدم وعادة يموت في بطن أمه.
البيتا ثلاسيميا: وتعد من اخطر أنواع الثلاسيميا ويسمى الموروث المسؤول عن إنتاج مادة ألبيتا جلوبين بموروث ألبيتا جلوبين ويوجد على الصبغي رقم 11 وتنقسم أيضا إلى عدة أنواع مثل الثلاسيميا الصغرى، وتحدث عند مولود موروث ألبيتا جلوبين سليم وآخر معطوب وفي هذه الحالة يسمى الشخص حاملا للمرض (أو حامل لصفة ألبيتا ثلاسيميا).
ولا يعاني حامل صفة المرض من أي مشكلة صحية إلا من فقر دم طفيف ولا يحتاج إلى نقل دم ولا يستجيب للعلاج بالحديد بل يحذر من تناوله إلا إذا كان هناك نقص لمعدل الحديد في الدم. وحسب إحصائية منظمة الصحة العالمية فان 8,3% من السكان في العالم هم من حاملي الثلاسيميا الصغرى وفي دولة الإمارات هناك شخص واحد من كل 12 شخصا حاملا صفة ألبيتا ثلاسيميا وقد يجمع الفرد صفة ألفا ثلاسيميا وبيتا ثلاسيميا الصغرى معا دون أن يؤدي إلى حالة مرضية.
أما بالنسبة للثلاسيميا الكبرى أو الشديدة فتحدث عند وجود طفرة شديدة في كل من مورثتي ألبيتا جلوبين فينتج عن ذلك نقص شديد في نسبة ألبيتا جلوبين فينقص بذلك الهيموجلوبين إلى اقل من 7 غرامات لكل 100 مليمتر نتيجة لتكسر كريات الدم الحمراء خلال 30 يوما ويحتاج المريض لنقل دوري لكريات الدم الحمراء كل 3 إلى 4 أسابيع للمحافظة على نسبة عالية من الخضاب لكي ينمو الجسم بشكل طبيعي ويمكن اكتشاف المرض خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل.
وهناك أيضا الثلاسيميا المتوسطة وهي نوع من أنواع الثلاسيميا الكبرى وتحدث عند وجود طفرة خفيفة في مورثتي ألبيتا جلوبين، فينتج عن ذلك نقص متوسط الشدة في كمية ألبيتا جلوبين المنتجة في الجسم وتؤدي في هذه الحالة لنقص متوسط الشدة لمستوى الخضاب في الدم فيتراوح في العادة بين 7 و10 غرامات لكل 100 مليمتر.
وفي العادة لا يحتاج المريض لنقل دوري للدم لكنه في بعض الحالات الخاصة مثل الالتهابات الحادة وتأخر النمو والحمل وهشاشة العظام أو التغيرات الواضحة في عظام الوجه فانه قد يحتاج المريض إلى الدم وإشراف طبي بشكل منتظم وتشكل الثلاسيميا المتوسط ما يقارب 10% من مرضى ألبيتا ثلاسيميا وتظهر أعراضها خلال السنوات الأولى من عمر المريض، مخبريا تظهر علامات فقر الدم خلال السنوات الأولى من عمر المريض من خلال فحص الدم الروتيني، وقد يتعرض المريض لبعض المشاكل الصحية كضعف البنية وتضخم الكبد والطحال والإصابة باليرقان (اصفرار الجلد والعينين).
* وهل هناك أعراض للثلاسيميا الكبرى قبل العلاج؟
ـ هناك عدة أعراض تظهر على المصابين بمرض الثلاسيميا الكبرى إذا لم يعالج المريض ومنها شحوب واصفرار البشرة والشفتين والخمول والشعور بالتعب والإرهاق لأقل جهد وفقدان الشهية ونقص حاد في الخضاب وتأخر في النمو الجسماني كالطول والوزن وتضخم الكبد والطحال نتيجة عجز نخاع العظام عن إنتاج كريات الدم الحمراء بكمية كافية فيبدأ الكبد والطحال وأعضاء أخرى بمحاولة تصنيع الدم بنفسها مما يؤدي إلى تضخمها.
إضافة لذلك تبدو الانعكاسات النفسية لدى المريض نتيجة شعوره بالمرض الدائم والنقص الصحي مقارنة بأقرانه وتغيرات في عظام الجسم ومنها الجمجمة مثل بروز الجبهة وعظام الوجنتين وانخفاض عظام الأنف وبروز عظام الفك العلوي، كما أن المريض يشعر بسرعة ضربات القلب لمحاولة تعويض نقص الخضاب وذلك بزيادة سرعة ضخ القلب للدم.
كذلك قد تحدث مضاعفات قلبية مع مرور الوقت قد تؤدي في النهاية إلى تضخم عضلة القلب وقصور في وظائفه نتيجة تراكم الحديد وفقر الدم وحدوث مضاعفات نتيجة تراكم الحديد في أعضاء مختلفة من الجسم إن لم ينتظم المريض على استعمال الأدوية المخلصة من الحديد وتتمثل المضاعفات في حال وظائف الكبد واسوداد لون الجلد وخلل هرموني (مرض السكري) وانخفاض في هرمون الغدة الدرقية وهرمون الجار درقية وهرمونات الغدة النخامية.
إضافة لاحتمالات إصابة المريض بأمراض معدية نتيجة لنقل الدم المتكرر، مع أن جميع مراكز نقل الدم تقوم بفحص تلقائي للكشف إذا ما كان دم المتبرع به أمراض كالايدز وفيروسات التهاب الكبد الوبائي.
* ينتقل المرض من الآباء إلى الأبناء الحاملين للمرض فما احتمالات ذلك؟
ـ الثلاسيميا كما قلنا من أمراض الدم الوراثية بمعنى أنها تنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء. فإذا كان أحد الوالدين حاملا للمرض أو مصابا به، فمن الممكن أن ينتقل إلى بعض الأبناء بصورته البسيطة (أي يصبحون حاملين للمرض). أما إذا صدف وان كان كلا الوالدين يحملان المرض أو مصابين به، فإن هناك احتمالا بنسبة 25% أن يولد طفل مصاب بالمرض بصورته الشديدة. وكنتيجة لهذا يقسم الأشخاص المصابون إلى قسمين: نوع يكون الشخص فيه حاملا للمرض ولا تظهر عليه أعراضه، أو قد تظهر عليه أعراض فقر دم بشكل بسيط، ويكون قادرا على نقل المرض لأبنائه. ونوع يكون فيه الشخص مصابا بالمرض، وتظهر عليه أعراض واضحة للمرض منذ الصغر.
احتمالات انتقال المرض
*الوالد حامل للمرض والوالدة سليمة:
في حالة زواج شخصين أحدهما يحمل الثلاسيميا والآخر سليم فإن في كل مرة تحمل فيها الزوجة تكون احتمالية أن يكون الأطفال سالمين 50% وأن يكون الأطفال حاملين للمرض بنسبة 50%
* الوالد سليم والوالدة مصابة بالثلاسيميا:
في حالة زواج شخصين أحدهما مصاب بالثلاسيميا والآخر سليم فإن كل أطفال هذه العائلة تكون حاملة للمرض.
* الوالد والوالدة حاملان لمرض الثلاسيميا:
في حالة زواج شخصين كل منهما حامل لمرض الثلاسيميا فإن أمام هذه العائلة أربعة احتمالات في كل مرة تحمل فيها الزوجة. نسبة أن يكون الطفل سليماً 25%، ونسبة أن يكون الطفل مصاباً أيضا 25%، ونسبة الأطفال الحاملين للمرض تكون 50%.
* الوالد حامل للمرض والوالدة مصابة بالثلاسيميا:
في حالة زواج شخصين أحدهما يحمل الثلاسيميا والآخر مصاب فإن في كل مرة تحمل فيها الزوجة تكون احتمالية أن يكون الأطفال مصابين 50% وأن يكون الأطفال حاملين للمرض أيضا بنسبة 50%.
* الوالد والوالدة مصابان بالمرض:
في حالة زواج شخصين كل منهما مصاب بمرض الثلاسيميا فإن جميع أطفال هذه العائلة وللأسف سيحملون المرض.
دبي ـ عماد عبد الحميد


