التضارب الإعلامي والتنافس في وجهات النظر عبر الفضاء، صيغة يومية يعايشها الجمهور العربي مجبراً، فبمجرد أن يمسك أحدهم «الريموت كونترول» متصفحاً التلفزيون، يجد قنوات تتصارع في مضامينها الإعلامية وتتناقض في آرائها، وربما تتطاول أحياناً في الاختلاف ليبقى المواطن العربي بهمومه الأزلية ضحية لتلك الصراعات الفضائية، أو ربما مستكشفاً لمحيطه ليجد من يعبر عن آرائه ضمن قالب الاختلاف في وجهات النظر، الذي يعد الوسيلة المثلى لديمومة العطاء.
حول هذا الأمر بالتحديد، ماذا يقول رجال الإعلام العربي، وأصحاب الكلمة والقلم المتمترسون خلف شاشات التلفزة، والقابضون على حبل صناعة الإعلام؟ باسم الفضلي مدير مكتب قناة العراقية الفضائية في الإمارات، اعتبر أن تعدد الآراء إعلامياً وفضائياً ليس بالأمر السيئ لو كان المقصد منه فقط إيضاح وجهات النظر، لكن الأمر الخطير والمسيء هو عندما تقوم الأداة الإعلامية بتوجيه فئة من الشعب ضد أخرى.شرح الموقف والواجب في هذا الشأن كما يقول الفضلي هو شرح الموقف أيا كان، وتركه للمشاهد، فالدور الذي يتعين على الوسيلة الإعلامية القيام به، هو شرح وتوضيح وتفسير ما هو حاصل دون تسييسه وتوجيهه، وبالتالي يقع الشعب ضحية لهذا النوع من الإعلام، كما هو حاصل إلى حد ما في فلسطين والعراق. أما جمال خاشقجي، رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية، فأكد أن الإعلام العربي يمارس أحياناً ما يمكن وصفه بـ «الإعلام الكيدي»، فهو لا يكذب لكنه يبالغ أحياناً، أو يوظف الأخبار لأجندة سياسية، وهذا هو الإعلام السلبي، الذي يستخدم كأداة تواكب الخلافات السياسية بين الدول، مشيراً إلى أن الإعلام يمارس أحياناً صفة الصمت على حقائق خدمة لعلاقة مع دولة لها صلة بالموضوع.المصالح الكبرى وأضاف أن الاستقلالية بالنسبة للإعلام في البلدان العربية زادت عنها في السابق، لكنها لم تصل لدرجة الكمال، وفي بعض الأحيان يتعين على الإعلام أن يسمو فوق حقائق ما خدمة للمصالح الكبرى. وبالنسبة لدول الغرب فهي في غنى عما يمكن أن يقوله إعلام الدول المجاورة بغض النظر مع أو ضد، والسبب يكمن في أن تلك الدول لا تعتبر هذا الشيء إن حصل حرباً إعلامياً ضدها، لكونها تعامل الإعلام كسلطة منفصلة عن الدولة. أما في الدول العربية فمهما بلغت درجة استقلالية الوسيلة الإعلامية عن الحكومة، إلا أنها لا يمكن أن تخرج الدولة التي تعمل على أرضها من دائرة الاتهام، في حال انتقدت أي شيء في أي دولة أخرى وإن كان ذلك في مقال رأي، وهنا تكمن المشكلة الكبرى، إذ أنه من الظلم ومن الجهل أن يحسب موقف وسيلة إعلامية على الدولة.ليلى الشيخلي مذيعة ومقدمة برامج إخبارية بقناة الجزيرة الفضائية، اعتبرت الأمر من وجهة نظرها ظاهرة صحية، حيث قالت إن التضارب الفضائي والإعلامي العربي أمر مطلوب، ولسان واحد بالتأكيد سيكون فقيراً، فالتنوع يخلق ثراءً، وبالتأكيد سيطرح أسئلة عديدة، وفي النهاية المشاهد وحده من يمسك بالرموت كونترول، وله الحرية المطلقة فيما يرى ويسمع.وأضافت أن زمن القناة الواحدة قد ولى، وجاء الرأي والرأي الآخر، ولا توجد حقيقة مطلقة، ومن يدعي امتلاكها فقد كذب، لافتة إلى أنها وبحكم عملها في قناة الجزيرة، فقد لمست جدية مطلقة في التوازن الإعلامي، بغض النظر عن الجهات المختلفة، وهذا على الأقل ما تطبقه فعلياً عبر الشاشة، كما تقول.وقالت: المواطن العربي اليوم صار أذكى من الأمس، وهو لا يحتاج للملعقة أن تصل إلى فيه، ويملك عقلاً وفكراً، ومن هذا المنطلق فلا متسع لدفن الصورة الموجودة تحت الرمال، بل الواجب يحتم إظهار الواقع بصورته، دون الانجرار وراء إثارة الفتنة، لافتة إلى أنها تفتخر بأنها واحدة من المنتمين إلى قناة إعلامية مجردة من الأجندة أو الأهداف المغرضة، وهي شخصياً تفضل دائماً أن تلعب دور محامية الشيطان.علاقة بالحكومة من جانبه أكد جاسم عزاوي المذيع في قناة الجزيرة انترناشونال، أن معظم وسائل الإعلام العربية تربطها علاقة قوية بالحكومات، إما ملك كامل أو دعم، وبالتالي فهي مضطرة للسير على الخط الأساسي لهذه الحكومات، حيث إن لكل حكومة موقفا معينا من القضايا الدائرة، يتبع ذلك أن الوسيلة الإعلامية ستنظر من وجهة نظر الحكومة، فيصبح هناك تقاطع أو تضارب، أو حتى هجوم في الآراء. ولفت إلى أن هذا التضارب الفضائي بالتأكيد غير مخطط مسبقاً، بل هو نتاج طبيعي وإفراز للمجموع الكلي للآراء والمواقف التي تخلق الحالة الراهنة، وهذا أمر لن يدوم طويلاً، ولا بد أن يتغير ويتبدل بحكم أن المواقف السياسية تتبدل من حين إلى آخر. في المقابل اعتبر أيمن الصياد رئيس تحرير مجلة وجهات نظر، أن الزمن الذي نعيشه هو زمن السماوات المفتوحة، وبالتالي إذا أمكن التخلص من التضارب الإعلامي بين وسائل إعلامية عربية، فذلك لن يمنع ما يمكن أن يكون من تضارب بين قنوات أخرى تعالج نفس القضايا، موضحاً أن الخطاب الإعلامي الواحد مضى ولن يعود، فالمتلقي العربي لم يعد يحتك فقط «بالميديا» العربية، وهو عرضة لأكثر من خطاب.
انفجار إعلامي اعتبر أيمن الصياد رئيس تحرير مجلة «وجهات نظر» أن الخطاب الإعلامي الذي تتبناه أية وسيلة إعلامية، ما هو إلا «رأي» يعكس اتجاه أو وجهة نظر موجودة، فحجب الخطاب لن يعني إنكارا لوجود الفئة، وبعد غزو العراق فوجئنا بانفجار إعلامي، أخرج قنوات فضائية بألوان متشعبة، كل يعبر عن وجهة نظر مختلفة، في السابق لم نكن نسمع عنها، رغم أحقيتها في إسماع العالم صوتها، إذاً ما فائدة حجب الخطاب الإعلامي المختلف، خاصة وأن الثراء والتنوع الإعلامي والتضارب الفضائي لن يكون مطلقاً على حساب المصلحة العربية، إن لم يستغل بسوء نية.
دبي ـ عنان كتانة


