في حال رغبت بمفاجأة وزير التجارة والصناعة الهندي شري كمال ناث، بالحديث عن نظرية «الأرز مقابل الاستثمارات»، توصيفا لسيناريو محتمل أن يكون قد طرح خلال محادثاته التي جرت في الأيام الثلاثة الماضية مع مسؤولين بالدولة، وتمركزت حول العلاقات التجارية بين الإمارات والهند، فسيرد عليك بمفاجأة أكبر: «الإمارات بالنسبة لنا استثناء، وما يطبق على غيرها من الدول في مسألة حظر أو تشديد تصدير الأرز الهندي لن نطبقه عليها».
ويفسّر: «الروابط التاريخية المميزة بين الهند ودولة الإمارات تجعلنا مقتنعين بضرورة أن يكون هناك استثناءات تنسحب على العلاقات التجارية». تلك الروابط لا تغفل الاقتصاد، فحجم التجارة البينية بين الدولتين باستثناء واردات الخام الهندية بلغ العام الماضي 78 .69 مليار درهم إماراتي، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 30 بالمئة خلال العام 2010، كما أن الإمارات تبقى أقوى شركاء الهند التجاريين في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا حيث تستحوذ على 70 بالمئة من صادرات الهند لدول الخليج. ومن المتوقع أن يتم رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من 82 .91 مليار درهم بحلول العام 2010. تلك الحقائق بوسعها، فعلا، ان تفرض استثناءات. يعني هذا أنه في حال أقدم ثاني أكبر منتج للأرز في العالم على حظر تصدير البسمتي، وهو ما لم تنفذه إلى اليوم رغم تركها هذا الباب مفتوحا مكتفية بتشديد إجراءات تصديره، و ستكون الإمارات استثناء.
ورغم أن تقارير الصحافة الهندية ومن بينها التقرير الشهير لـ «اكونوميك توداي» الهندية، قد سربت في الأيام الأخيرة معلومات عن اقتراب اتخاذ الحكومة الهندية قرارا بمنع تصدير الأرز البسمتي أيضاً خارج أراضيها، كإجراء مؤقت ضمن إجراءاتها التي اتخذتها لمواجهة التضخم في البلاد، إلا أن الوزير أكد أن هذا القرار «لم يتخذ بعد»، مرددا مقولة الاستثناءات، «رغم أن الطلب الداخلي الكبير يجعلنا نفكر بجدوى التصدير أيضا». ولكن ماذا عن قرار الهند الساري منذ أكتوبر الماضي بمنع تصدير الأرز غير البسمتي خارج حدود بلادها الأمر الذي ساهم بارتفاعات «جنونية» في الأسعار؟
يجيب الوزير بمفاجأة أخرى:«بالنسبة إلى الإمارات تحديدا، فهذا القرار أيضاً قابل للمراجعة، وضمان الاستثناءات»، ويضيف:« كل ما يريده المنصوري (معالي سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي)، الذي التقيته أمس، هو ضمان ألا تؤدي أي إجراءات حكومية هندية بشأن تصدير الأرز بالإضرار بكفاية الناس في الإمارات من هذا الغذاء الحيوي، ولدينا القدرة على أن نضمن ذلك، وسيظهر ذلك في غضون الفترة القريبة المقبلة».
ثم يستحضر روح الفكاهة التي طغت على إجاباته بالقول:« الأمر لا يقتصر على الإماراتيين أو الأجانب الذين يعيشون في الإمارات فقط، فأبناء الوطن الهنود الذين يعيشون هنا يريدون أيضاً ان يستمتعوا بطعم أرز بلادهم».
لكن الهند تبدو اليوم، وأكثر من أي وقت سابق عالقة بين مصالح «أبناء الوطن» في داخل حدودها، و«أبناء الوطن» في خارج الحدود. فمنع تصدير الأرز ساهم بالإضرار بملايين الهنود العاملين بالزراعة داخل الهند، من دون أن يسهم بكبح جماح التضخم وارتفاع أسعار السلع الحيوية هناك، كما ساهم بتفاقم أزمة الأسواق المستوردة، والتي يعيش فيها هنود وغير هنود يطلبون الأرز كمادة رئيسية في وجباتهم اليومية.
وبعد أن قامت كل من الهند وفيتنام وباكستان ومصر بتغيير الخارطة التجارية لـ «طريق الأرز»، عبر منع تصديره أو التلويح بالمنع، كانت النتيجة أن أسعار الأرز البسمتي زادت من 100 إلى 120% خلال أقل من عام واحد، الأمر الذي جعل كتاب تقارير المنظمات الدولية مثل «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي»، إضافة إلى وزراء دول السبع، يتحدثون عن احتمال نشوب حروب غذائية يكون الأرز أحد أبرز براميل البارود المحركة لها.
وفي الوقت الذي تواجه فيه الحكومات الغربية ما يمكن تسميته ب« فوبيا الأرز» بمطالبات بمزيد من الضغوطات على الدول المصدرة لكي تستمر في توريد حصصها الاعتيادية إلى أسواق العالم، وتحديدا الولايات المتحدة والشرق الأوسط، فإن البنك الآسيوي للتنمية خرج أمس الأول بتقريره الذي اتهم فيه حكومات الدول الآسيوية بالمبالغة بشأن خوفها على مخزوناتها الاستراتيجية من المواد الرئيسية ودعاها إلى تخفيف قيود التصدير.
كما أن منظمة التجارة العالمية أعربت عن نيتها عن ممارسة ضغوط على الدول المنتجة للمواد الغذائية للمحافظة على مستوى صادراتها من أجل الحيلولة دون تفاقم أزمة الغذاء العالمية. واتخذت التوصيفات معاني أكثر حدة، فتحدث البعض عن «تسونامي» وشبه البعض الآخر تشديد الإجراءات على التصدير ب«أن تقوم دولة مثل السعودية باتخاذ قرار بمنع تصدير النفط»، كما ذكر مسؤول في البنك الدولي.
وزير الصناعة والتجارة الهندي يفضل أن يقارب تلك الاتهامات من زاوية مختلفة:« هذه أزمة لم تصنعها الحكومات. هناك تحديات كبيرة تواجه الغذاء في العالم، والكل مسؤول ومتورط. على البنوك وكبرى المؤسسات المالية ألا تكتفي بالتفرج فقط، عليها أن تلعب دورا. أما بالنسبة إلى ارتفاع الأسعار، فأنا أعتقد أن رقم 1200 دولار لطن الأرز ليس مبالغا به، بل بوسع السعر أن يكون 1500 دولار»!. ويعتقد أن ظهور جيل جديد من المستهلكين في الصين، إضافة إلى مسألة مقدرات الشعوب، هي أبرز التحديات التي يجب على الجميع الاشتراك بمواجهتها!.
فخورون بالعمالة الهندية في الإمارات
قال وزير الصناعة والتجارة الهندي إن بلاده لم تتلق أية اعتراضات رسمية من عمالتها المقيمة في الإمارات تتعلق بأي نوع من أوضاع سيئة يعيشها أفرادها، وقال:« نحن نفتخر بالعمال من أبنائنا والمهندسين والموظفين ومديري الشركات الذين يساهمون بنهضة اقتصاد الدول التي يعيشون فيها، ولم نتلق أية اعتراضات على أنماط الحياة التي يعيشونها في الخارج».
ومن جهة أخرى، استبعد الوزير أن تكون النهضة التي يشهدها قطاع البناء والتشييد في الهند سبيلا إلى الإبقاء على العدد الأكبر من العمالة الهندية داخل بلادها، وقال:« أعدادنا بالملايين، ولا تزال هناك حاجة إلى فرص عمل في الخارج».
عتبة البنية التحتية
لم يكن الملف الغذائي هو الموضوع الوحيد المطروح على طاولة النقاش بين وزير الاقتصاد الإماراتي معالي سلطان المنصوري ووزير الصناعة والتجارة الهندي كمال ناث، بل تم التطرق إلى مسألة تطوير المطارات الهندية وتعزيز دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في الهند.
وبحث الطرفان، اللذان التقيا صباح أمس، تعزيز الواردات والصادرات بين البلدين وإمكانية عقد اجتماعات متبادلة بين البلدين كل ستة أشهر لمتابعة المسائل التي تمت مناقشتها والتركيز على مجالات جديدة. وأكد معالي المنصوري أن الإمارات تتمتع بعلاقات جيدة مع الهند. وأضاف أن البلدين يشهدان نموا اقتصاديا مطردا، موضحا أن إقامة شراكة قوية لتعزيز الروابط الاقتصادية سيساهم في تحقيق الهدف المشترك في التنمية المستدامة.
« ركزت في محادثاتي على رغبتنا بجذب كبريات الشركات الإماراتية للاستثمار في السوق الهندي، ولكن عدم الاكتفاء بذلك، فرؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة التي تتراوح بين 15و 25 مليون دولار مرحب بها أيضاً وهي تصنع الكثير»، يشرح ناث.
ويعتقد أن هذه الأموال بوسعها أن تحصل على مردود ربحي سريع من السوق الهندي «إذ تقول الدراسات أن الصناديق الاستثمارية الإماراتية الخاصة في الهند تحصل على المردود الأكبر قياسا إلى نظرياتها في دول أخرى».
أما بالنسبة إلى الرساميل الضخمة فيعتقد أن قطاع البنية التحتية في الهند من أكثر القطاعات الجاذبة. ومؤخرا تم افتتاح طريق سريع بين نيودلهي ومطارها ليصل إلى مدينة جوراجون، مدينة الأقمار الصناعية سريعة النمو التي تزهر بالأسواق الكبرى ومراكز التسوق. واعتبر هذا الافتتاح، بالرغم من تأخره لأكثر من سنتين، دليلا على حماسة الحكومة الهندية في مواجهة التحدي الذي يتعلق بالبنية التحتية.
يقول الوزير الهندي أن «الحكومة قد خصصت مبلغ 429 مليار دولار للبنية التحتية حتى العام 2012 ضمن أحدث خططها الخمسية، مقابل مبلغ 200 مليار دولار خلال الأشهر الستين السابقة». وفي الوقت الذي تخطط فيه الحكومة للمساهمة ب30% فقط من هذا المبلغ، أي حوالي 149 مليار دولار، فإن المتبقي متروك للقطاع الخاص وللاستثمارات الأجنبية.
وتكتسب دعوة الوزير الهندي رجال الأعمال الإماراتيين إلى مزيد من الاستثمار في الهند، والتي شدد عليها أيضاً في كلمته التي ألقاها أمس في ملتقى مصرفيي الإمارات، أهمية خاصة وسط المعطيات التي تتحدث عن تراجع معدلات الفقر الشاملة في بلد يعيش فيه أكثر من 900 مليون نسمة على دخل يقل «دولارين يوميا»، إلا أنه لا تزال هناك أعداد كبيرة ممن يشعرون بأنهم أشد فقرا وغضبا عن ذي قبل، وهو ما دفع رئيس وزراء الهند مانموهان سنغ بالقول منذ أيام بأنه «على الأغنياء أن يتصرفوا بصورة مسؤولة، وإلا فإن عملية نمو البلاد سوف تواجه المخاطر وسيصبح نظام حكمنا فوضويا.
كما أن مجتمعنا سيصبح أكثر انقساما». لعل المزيد من الاستثمارات الأجنبية التي جاء وزير الصناعة والتجارة الهندي إلى الإمارات بحثا عنها، قد تساعد الهند، وإن بمقدار قليل، على تجنب ريح الانقسامات التي باتت تعصف في أصقاع العالم.
ملتقى مصرفيي الإمارات يستضيف وزير التجارة والصناعة الهندي
استضاف ملتقى مصرفيي الإمارات، الذي ينظمه سليمان المزروعي مدير عام التسويق والاتصال المؤسسي في «الإمارات دبي الوطني» ورئيس ملتقى مصرفيي الإمارات، وزير التجارة والصناعة الهندي معالي شري كمال ناث.
كما شهد المشاركون في الملتقى الإعلان عن بدء تسلم طلبات المشاركة في جائزة حوكمة الشركات المصرفية في دولة الإمارات العربية المتحدة 2008، والتي كان قد أطلقها مؤخراً معهد حوكمة الشركات «حوكمة».
وألقى وزير التجارة والصناعة الهندي كلمة شرح فيها للحضور الروابط التجارية والاقتصادية والتاريخية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والهند وأهمية تعزيز الشراكة بينهما. كما تحدث الوزير عن النمو الذي يحققه الاقتصاد الهندي والفرص المميزة التي يوفرها هذا السوق المتنامي للإمارات وبقية دول المنطقة.
وتعقيباً على إطلاق الجائزة الجديدة، قال الدكتور ناصر السعيدي، المدير التنفيذي لمعهد حوكمة الشركات «حوكمة»: «ستعتمد جائزة حوكمة الشركات المصرفية الإماراتية 2008 على أفضل الممارسات الدولية لتقييم معايير حوكمة البنوك في دولة الإمارات العربية المتحدة. وستوفر هذه الجائزة للمصارف فرصة الاستفادة من عملية تقييم مستقلة وذات مصداقية عالية لمدى جودة وفاعلية ممارسات الحوكمة لديها مما يشكل معياراً لقياس أي تقدم يتم إحرازه في المستقبل في هذا المجال».
وقال سليمان المزروعي: «أنتهز هذه الفرصة لأعبر عن امتناني لمعالي شري كمال ناث على دعمه لهذا الملتقى. كما أود أن أوجه الدعوة لكل المصارف في الإمارات للمشاركة في المنافسة على حوكمة الشركات المصرفية الإماراتية 2008 باعتبارها مبادرة مهمة من شأنها أن تحفز القطاع المصرفي على تحقيق مزيد من التطور والتميز في أدائها. لقد حقق ملتقى مصرفيي الإمارات حضوراً وفاعلية متزايدين منذ انطلاقته، وأثبت أنه يشكل منصة مثالية للتواصل وتبادل الآراء والخبرات بين قادة القطاع المصرفي والمالي».
ومن الجدير بالذكر أن دولة الهند قد شهدت مبادرات هامة في سياسة البلاد التجارية منذ تسلم معالي شري كمال ناث وزارة التجارة والصناعة.
حيث أعلن عام 2004، ولأول مرة في تاريخ الهند، إرساء سياسة تجارة خارجية شاملة وضعت مبادئ عامة منسجمة ومتماسكة تركز على هدفين رئيسيين هما زيادة الصادرات وإيجاد المزيد من فرص العمل. وقد حققت الهند بين عامي 2004 و2005 ارتفاعاً في صادراتها من البضائع لتصل إلى حوالي 80 مليار دولار أي نمو بنسبة 24% مقارنة بالسنة التي سبقتها.
كما أطلقت الهند مبادرات تجارية ثنائية كبرى مع دول مثل الصين وباكستان وحققت تقدماً كبيراً على صعيد اتفاقيات التجارة الإقليمية.
حاوره: إبراهيم توتونجي


