تفاعلت أمس أكثر فأكثر إشارات السلام بين سوريا وإسرائيل، بتأكيد الرئيس السوري بشار الأسد شخصياً تلقيه رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بخصوص استعداده للانسحاب الكامل من هضبة الجولان، فيما كشفت مصادر إسرائيلية عن أن أولمرت وافق خلال الاتصالات الجارية مع سوريا على منحها أكثر مما يعرف باسم «وديعة رابين».

وواكب هذه التطورات تصعيد من جانب أميركا ضد دمشق، باتهامها بالتعاون النووي مع كوريا الشمالية، والحديث عن أدلة تتمثل في شريط فيديو يظهر خبراء كوريين مزعومين في منشأة سورية كانت الطائرات الإسرائيلية قصفتها، وهو ما نفته دمشق.

وقال الأسد في تصريحات صحافية نشرت في الدوحة أمس «إن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أبلغه استعداد إسرائيل للانسحاب من الجولان مقابل سلام سوريا».

وأوضح الأسد إن «سوريا ربما تعقد محادثات مع إسرائيل في المستقبل لكن ليس قبل أن تتولى إدارة أميركية جديدة في البيت الأبيض حتى يمكنها التوسط في مثل هذه المحادثات»، موضحا أن إدارة بوش لا تملك رؤية أو إرادة في عملية السلام». وأضاف أن تركيا بدأت وساطتها في أبريل من العام الماضي، نافيا أن تكون ثمة محادثات سرية مع إسرائيل. وفي المراحل الأولى من المحادثات، حسبما قال الرئيس السوري، ستعقد مع تركيا كوسيط.

وكشفت مصادر تركية مطلعة في دمشق أمس، عن أن أردوغان سيناقش خلال زيارته إلى العاصمة السورية ولقائه الرئيس السوري غدا السبت موضوع مفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل. وأكدت المصادر ما تداولته وسائل الإعلام ومسؤولون سوريون عن «أن أردوغان حمل رسائل من إسرائيل إلى سوريا وخصوصاً ما يتعلق باستعداد إيهود أولمرت الانسحاب من هضبة الجولان السورية مقابل السلام مع سوريا والذي يشكل أهم محور للسلام في المنطقة».

وعلى الجانب الإسرائيلي، قال مصدر في الحكومة الإسرائيلية أمس إن رئيس الوزراء أولمرت، أبدى استعداداً فعلياً للانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل السلام مع سوريا. ونقلت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي عن المصدر الذي لم تسمه قوله «إن أولمرت أبدى بالفعل استعداده المشروط للانسحاب من هضبة الجولان في إطار اتفاق سلام يجري التوصل إليه مع سوريا». وأضاف المصدر «وافق أولمرت خلال الاتصالات الجارية مع سوريا على منحها أكثر مما يعرف باسم (وديعة رابين)»، وذلك في إشارة إلى وثيقة أودعها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين لدى الإدارة الأميركية وتتضمن استعدادا لانسحاب مشروط من هضبة الجولان.

وكانت المفاوضات الإسرائيلية السورية توقفت في واي ريفر، عند عقدة الإصرار الإسرائيلي على عدم التخلي عن الشريط المائي في الجولان لضمان عدم تقاسم مياه بحيرة طبرية مع سوريا.

في مقابل هذه التطورات السلمية، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» أمس عن مسؤولين أميركيين كبار أن شريط فيديو تم التقاطه من منشأة سورية سرية الصيف الماضي، أقنع الحكومة الإسرائيلية وإدارة الرئيس جورج بوش، بأن كوريا الشمالية كانت تساعد سوريا في بناء مفاعل شبيه بأحد المفاعل النووية الذي ينتج البلوتونيوم في كوريا الشمالية. وأوضحوا أن هذا الشريط للمنشأة السورية النائية التي كانت تدعى «الكِبر» يظهر أيضاً وجود كوريين شماليين داخلها.

وأشاروا إلى أنه لعب دوراً حاسماً في تحديد قرار إسرائيل بضرب هذه المنشأة على أنها مفاعل نووي في السادس من سبتمبر 2007.

وأوضحت مصادر مطلعة على فحوى الشريط، أنه يظهر أن تصميم نواة المفاعل السوري هي نفسها لمفاعل يونغبيون، وهو المفاعل الأهم في كوريا الشمالية، بما في ذلك تشكيله وعدد من الفتحات الخاصة بقضبان الوقود من المفترض أنها متطابقة مع المفاعل الكوري الشمالي.

وقال مسؤول في الاستخبارات الأميركية إن شريط الفيديو «يظهر تشابهاً بارزاً من الداخل والخارج لمفاعل يونغبيون».

من جهته رأى خبير بالأسلحة النووية أن الشريط «يظهر التورط (الكوري الشمالي) بشكل كبير جداً».

وأعلن نائب أميركي شارك في جلسة مغلقة اطلعت خلالها (سي آي إيه) النواب على أوجه التعاون النووي بين كوريا الشمالية وسوريا، أن «المسألة خطيرة».

وقال النائب الجمهوري بيت هوكسترا عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب «إنها في الوقت نفسه مسألة خطيرة بالنسبة للانتشار النووي في الشرق الأوسط وفي الدول التي يمكن أن تكون متورطة فيها في آسيا».

وذكر مسؤول أميركي آخر أن المنشأة النووية السورية، التي أقامتها دمشق بالتعاون مع كوريا الشمالية، وقصفتها الطائرات الحربية الإسرائيلية العام الماضي، كانت على وشك أن تدخل مراحل التشغيل العملية، في غضون عدة أسابيع أو شهور، على أكثر تقدير.

وأعلن مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن هذه المعلومات .

وقال المسؤول الأميركي للصحافيين «أوجز مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لمراقبة التسلح والأمن الدولي جون رود لمدير الوكالة محمد البرادعي ما تعرفه الولايات المتحدة عن هذا التعاون بين بيونغ يانغ ودمشق».

إلا أن الموقع الإلكتروني لصحيفة «هآرتس» نسب إلى خبيرين نوويين أميركيين تأكيدهما أن المنشأة السورية في منطقة دير الزور والتي قصفها في سبتمبر الماضي كانت بعيدة عن كونها منشأة نووية عسكرية.

ونقل محلل الشؤون الاستراتيجية والاستخباراتية في «هآرتس» يوسي ميلمان، عن الخبيرين ديفيد أولبرايت وبول بيرنان، من معهد الأمن والدراسات الدولية في واشنطن، تأكيدهما على أنه بعد أن قاما بتحليل المعلومات التي نشرتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي ايه) في وسائل الإعلام الأميركية يظهر أنه لا يوجد أية تقديرات لدى الولايات المتحدة حول كيف كانت سوريا تعتزم تفعيل برنامج نووي وليس لدى الولايات المتحدة أيضا أية معلومات تدل على أنها مررت أو كانت تنوي أن تمرر وقوداً نووياً مطلوباً لتشغيل مفاعل نووي.

كما نفى السفير السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري، صحة التأكيدات الأميركية التي تفيد أن بلاده تلقت مساعدة من كوريا الشمالية على الصعيد النووي. ولدى خروجه من نقاش حول الشرق الأوسط في مجلس الأمن، سأل الصحافيون الجعفري عن الموضوع فأجاب «قلنا مراراً في السابق، إنه لا تعاون سورياً ـ كورياً شمالياً من أي نوع كان في سوريا». وأضاف «ننفي هذه الشائعات».

كما اعتبر سفير سوريا لدى بريطانيا سامي الخيامي أن اتهامات الإدارة الأميركية تهدف إلى الضغط على كوريا الشمالية في المحادثات بشأن برنامج بيونغ يانغ النووي.

وقال الخيامي «للأسف فان سيناريو التقاط وإعادة التقاط صور يشبه ما حدث قبل الحرب على العراق عندما كانت الإدارة الأميركية تحاول إقناع العالم بان العراق يمتلك أسلحة نووية». وأضاف «بدلاً من عرض تلك الصور السخيفة فإنني اعتقد انه يجب على واشنطن أن تركز كل جهودها من اجل تطهير منطقة الشرق الأوسط من جميع أسلحة الدمار الشامل بدءا بإسرائيل أوثق حلفائها».