قال الشيخ: إذا عرفنا الداء الذي نعاني منه وهو ينخر في عظامنا، فلا يبقي فينا قوةً أو حركة، وإذا فهمنا الإسلام والإيمان على حقيقتهما وأسلمنا وآمنا قولاً وفعلاً وقلبا ووجدانا، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا سؤال عن كيفية الخروج من هذا المأزق الحضاري وعمن يملك الحل والطريقة والدواء، إن من أول ما يجب التأكيد عليه هو أن بناء الإنسان مقدم على أي شكل آخر من أشكال البناء، فإن لم نبدأ به ضاعت الجهود ولم يبق لها معنى، ونحن نرى أن الإسلام والإيمان خير ما يعتمد في خلق إنسان قادر على فعل المعجزات..
وهو ذو عقل نير وقلب مخلص وجوارح لا تفتر عن البذل. فما الذي سيخرج الإنسان خارج أسوار ذاته وأنانيته ليعطي أكثر مما يأخذ، بل وبدون أن يأخذ في اليوم والغد... غير المسلم المؤمن الذي لا يرجو الا لقاء ربه وهو عنه راض.
ولكن من الذي يخرّج أمثال هؤلاء الرجال؟ إنهم الدعاة إلى الله وهم على مفارق الطرق يأخذون بيد من ضلّ ليدلوه على الطريق إلى الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، والسؤال هنا هل يقدر دعاتنا فعلاً على إنقاذ هذا العالم المجنون وهو يهوي في هاوية الانتحار، وهل هم مؤهلون فعلاً ليكونوا أساتذة الخطاب الإسلامي الحضاري الفعلي يعتمد عليهم في خطاب العالم كله لا في خطاب المسلمين فقط؟
لا أريد أن أميل مع من يركز على العيوب ولا يعترف بالمحاسن، ذلك أن ميلاً كهذا وإن وجد بعض ما يبرره لا يؤدي إلا إلى اليأس والتيئيس، وأمر الدعاة يترك لهم ولبعض المخلصين ممن يحسنون الحوار معهم ليصححوا بعض ما هم عليه ويستكملوا بعض أشكال النواقص والقصور عندهم، وهم بإذن الله قادرون بصدقهم وإخلاصهم على تجاوز بعض ما لا ينسجم مع دورهم ورسالتهم، ولا يجوز ـ في رأيي ـ بحال من الأحوال أن نسفه دعاتنا في كل مكان وزمان وفي كل مجلس أو محفل، مستمتعين بذكر ما صح وما لم يصح من بعض عيوبهم. وحديث مثل هذا لا ينقصه الافتراء والكذب والتلفيق...
وقد سمعنا على ألسنة الناس طامات عظام في التطاول على الدعاة وأهل العلم، يحسبونه عند الله هيناً، وهو في كل ميزان سماوي أو أرضي عظيم يهوي بصاحبه في جهنم، إن من يقترب من الدعاة اليوم وأكثرهم على نور وبينة والحمد لله، يلمس ما لديهم من علم وحكمة وأخلاق وهمم، حتى يخرج بأن هؤلاء لا ينقصهم إلا قليل في تجديد خطابهم أو تعديل نبرته، ووالله ما حوت رؤوس هؤلاء كل هذا العلم إلا ليكونوا من أهل العمل وهم قادرون عليه بعد تسديد أحاديثهم وترشيدها.
وعلى كل من يجلس في المنتديات ليفتري على الدعاة إلى الله طعناً في ذممهم أو علومهم أو حيواتهم أو طرق عيشهم أو أسلوب حديثهم، يريد بذلك أن يظهر أنه الأقدر على وزن الأمور والرجال أو أن يضحك من حوله ممن حضر معه، أن يتقي الله في نفسه أولاً... فالحق سبحانه وتعالى أذن كل من حارب ولياً من أوليائه بحرب منه عز وجل ومن يقدر على حرب كهذه؟
ثم إنني أهمس للدعاة قائلاً: أنتم أدلاء الخلق إلى الله، وأنتم حاملو الترياق لآلام البشر، أنتم ورثة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في علمه وحكمته وفضائله وإخلاصه، يجب أن تحققوا في أنفسكم هذه المعاني قبل أن تخطو خطوة واحدة في طريق الدعوة والإصلاح، وقد ابتلي العالم اليوم بنفر من المسلمين عدلوا عن الرفق والصبر والحنكة والعزيمة في الدعوة - وهو شأن أطباء الروح كأطباء الجسد - إلى أن نصبوا أنفسهم قضاة لا همّ لهم إلا إطلاق الأحكام.. وكثيراً ما انطوت الأحكام على ظلال من الظلم أو من جوهره، فما أسهل التكفير والتفسيق، وما أيسر الحكم بالخروج عن الملة والضلال في وديان الغفلة، بل لعل في «هدر الدم» ما يريح البلاد والعباد ممن لم يطيبوا لهؤلاء القضاة.
وقصص الدعاة ممن صبروا على الضلال بين الناس أو عند الحكام حتى استطاعوا قلب الظروف ونشر الخير وتعميم العدل قصص كثيرة ومعروفة، وكم من ضال هداه الله على يد داعية صابر وحكيم صار بعدها داعية للناس إلى طريق الخير، ولو عومل بالقسوة والجلافة لخسر نفسه ومن معه.
هذه همسة أردت أن أهمسها في آذانكم مذكراً لكم أن الطبيب إن رأى مريضاً قد أتخم بعد كثير طعام، أو كُسر بعد كثير طيش، أو ابتلي بمرضٍ نجم عن عدم اكتراث بشروط الحياة الصحية، لا يقف متهماً ومعنفاً، ولا يقابل الأنين والتأوه بالخطابة والزعيق، إنه يأخذ المريض بيد حانية إلى حيث يزيل عنه الألم وسببه، حتى إذا انجلى الكدر قال ما يريد للمريض دون أن يقلل من قيمته ووزنه، بل إن الحق سبحانه وتعالى قال لموسى عليه الصلاة والسلام وهو مع أخيه هارون في طريقهما إلى فرعون وقد جمع هذا الأخير في نفسه كل ألوان الشرور والفجور ((إذهبا وقولا له قولاً ليناً)).
ماهر سقا أميني