تناولت ورشة العمل الثانية نقاشات بالغة الأهمية حول واقع صحافة دول المغرب العربي وعلاقتها بالتطور التكنولوجي الذي تشهده القطاعات الإعلامية في الوطن العربي والعالم ككل. وأدارت الجلسة خديجة بن قنة المذيعة في قناة الجزيرة، وتحدث فيها كل من رشيد خشانة رئيس تحرير جريدة الموقف ومدير جريدة الحياة في تونس، وعصام حمود أحمد أبرز المدونين الشباب في الجزائر وعبدالله البقالي رئيس تحرير جريدة العلم في المغرب، ومحمد سالم سيدي أحمد رئيس تحرير جريدة الوحدوي في موريتانيا، وعاشور التليسي نقيب الصحافيين الليبيين، وبحضور عدد كبير من الإعلاميين البارزين.
وأثنى كافة المتحدثين في بداية نقاشاتهم على الدور الذي يلعبه نادي دبي للصحافة والذي يعمل وفق توجيهات ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في توفير فرصة سنوية وصفت بأنها متزايدة الأهمية لتبادل الأفكار والنقاشات. وأكدوا جميعا أن من شأنها النهوض بواقع الصحافة العربية والتعرف على احتياجاتها وبحث فرص التعاون ما بين الأطر المختلفة للمضي قدما بظروف المهنة وظروف القيمين عليها، كما رأوا فيها لفتة كريمة من قيادة الإمارات الرشيدة ومدى إدراكها لأهمية هذا القطاع.
وأثارت بن قنة في مطلع الجلسة عددا من التساؤلات المتعلقة بإمكانيات الاستثمار في دول المغرب العربي وسقف الحريات المتاحة أمام الإعلام والإعلاميين وحول مدى تطور الإعلام المغربي في عصر التكنولوجيا وما إذا استخدمت بشكل صحيح. وتوجهت بن قنة بسؤالها بداية النقاش إلى عاشور التليسي فيما يتعلق بمدى إمكانية استعمال التكنولوجيا من قبل صحافيي المغرب، والذي أشار إلى عدم إمكانية عمل صحافة المغرب العربي دون الاستفادة من التكنولوجيا، مشددا على أهمية تقليل تدخل الدولة في وسائل الإعلام ومنحها مزيدا من الحرية لممارسة أعمالها بشكل مهني أفضل، وعدم انتظار تحكم القدرات المالية بواقع الصحافة.
وأشار التليسي إلى بعض المعوقات التي تقف في وجه الصحافة المغربية وإلى عدم التعامل مع قطاع الإعلام كبقية القطاعات فهو بحاجة إلى دعم واستثمار، ولفت إلى أزمة تراجع اللغة العربية ومعاناتها من التعامل معها بشكل غير مرض، وإلى عدم قدرة الصحافي الذي لا يمارس أكثر من لغة على الإبداع في عمله، وإلى ما وصفه بالكلفة الباهظة لإنشاء المحطات وإلى ضعف المصداقية بين الإعلام والمتلقي، واحتكار الإعلام لأصحاب المال وغياب الدراسات والبحوث وعدم دعم الإعلاميين.
من ناحيته تحدث عبدالله البقالي عن أهمية رصد واقع الصحافة المغربية من خلال النظر إلى عدة مستويات ترتبط بحال المنشآت الإعلامية والتي اعتبر أن غالبيتها مرتبط بالسياسة، واحتكار بعض الأنظمة السياسية لها. كما تحدث البقالي حول هيكلة ما وصفه بمقاولة الإعلام التي اعتبرها تقليدية ومتخلفة بشكل كبير، ولفت إلى حقيقة أن عدد سكان دول المغرب العربي يتجاوز 83 مليون نسمة من بينهم أقل من 10 آلاف صحافي، ما يؤكد أهمية تطوير وتدريب المزيد من الكوادر الصحافية العربية، ويعطي فكرة عن مصادر تكوين الخبر في هذه الدول.
وقال البقالي: «لا يمكن المراهنة على الاستثمار في قطاع الإعلام فلا يمكن اعتباره آمنا وإقناع المستثمرين للدخول فيه إلا بعد النهوض بحاله، وأريد أن أشير إلى مفارقة مهمة هي أن دول المغرب العربي التي تمتلك أكبر مستوى من دخل الأفراد هي الأكثر تخلفا في مجال الاستثمار التكنولوجي». أما محمد سالم سيدي أحمد فقال: «لم يعد خافيا على الجميع أن دورة المعلومة في عصر التكنولوجيا قد قلبت جميع المفاهيم والأساليب المتبعة، ما أدى إلى إنتاج عصر رقمي قادر على صناعة أفضل عصر إعلامي تكنولوجي، ولا يمكن للإعلام أن يحظى باستقلاليته دون أن يتمكن من مواكبة التحديات القائمة».
وتحدث سيدي أحمد عن الأنماط المختلفة للتغيير في الإعلام المغاربي، وإلى التغيير النوعي الذي أحدثته الفضائيات العربية، وإلى حالة التأثر والتأثير في صناعة الإعلام الحاصلة فيه، وكيفية تعاطيه مع التكنولوجيا المعاصرة. وقدمت خديجة بن قنة عصام محمود أصغر المتحدثين المشاركين ووصفته بالبحار أو الغواص الإلكتروني ومن بين أحد أبرز المدونين الشباب في الجزائر وأنشطهم، والذي تحدث حول سقف الحرية العالي الذي تتمتع به المدونات الإلكترونية في المغرب العربي إلى جانب سرعتها وكفاءتها ومستوى المصداقية العالي فيها، مشيرا إلى أن جمهور المدونين في تزايد مستمر وربما سيتفوق في المستقبل على الصحافة الأخرى.
ولفت عصام إلى أن نظرة الصحافة العربية إلى المدونات ليست نظرة تعال وجهل فقط وإنما نظرة عدم إدراك للدور الذي ممكن أن تلعبه المدونات وهي تعاني من قلة الاهتمام بها أو حتى الحديث عنها في وسائل الإعلام، مؤكدا أن تجربة الصحافة المغاربية للمدونات الإلكترونية لا تتجاوز كونها تفريغا لمحتويات الصحيفة المطبوعة إلكترونيا.
من جانبه أشار رشيد خشانة إلى ثلاثة عناوين أساسية يجب الالتفات إليها لدى الحديث عن واقع الصحافة المغاربية، يتعلق العنوان الأول بالإمكانيات الاقتصادية، لافتا إلى أن وجود بلدين نفطيين في المغرب العربي يعزز هذه الإمكانية، أما العنوان الثاني فيتعلق بالموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والثالث يتعلق بقضية وجود نخبة محلية قادرة على استخدام الإنترنت، مشيرا إلى أنه أمام هذه التطورات ما زال استخدام التكنولوجيا بطيئا.
ولفت رشدي إلى قضية انتشار وتطور الهواتف المحمولة التي تساهم في نقل المعلومة وفي التحول التكنولوجي، وتحدث حول محاولات المدونين للاستفادة من شبكة الإنترنت، وقال «إن مجتمع المعلومات النموذجي يتطلب إصلاحات في النظام التربوي، وتوفير الإمكانيات التنموية، وإزالة العديد من العراقيل القائمة في دول المغرب سعيا إلى إنهاء الرقابة الفكرية وإنهاء ما يوصف اليوم بشرطة الإنترنت».
مداخلات تتحدث عن تشابه واقع المشرق والمغرب
شهدت الجلسة مداخلات للعديد من الصحافيين والإعلاميين البارزين من بينهم صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحافيين العرب، الذي قال ان التفريق الكبير بين واقع الصحافة في المغرب العربي والمشرق ليس بالأمر الدقيق، خصوصا في ظل التشابه الكبير للأزمات التي تمر بها الصحافة في المشرق والمغرب، والمتعلقة بنقص الحريات، واحتكار المعلومات وحجبها، ونقص الكادر المهني المثقف.
وقال الإعلامي التونسي هادي الحناشي من قناة العربية، إن الجلسة لم تتناول واقع الصحافيين المغتربين من دول المغرب العربي وظروفهم والمطلوب منهم في حال قرروا العودة إلى بلدانهم الأصلية. كما تحدث عن التجربة الإماراتية المميزة في وسائل الإعلام المكتوبة والتي تتمتع باستقلالية متفوقة بين نظرائها في الوطن العربي، ولفت إلى حجم الإنفاق الإعلاني الكبير في العالم العربي الذي يشير الى توافر الأموال التي يمكن أن تذهب للاستثمار بواقع القطاع الإعلامي العربي ككل.
