شهدت ورشة العمل الأولى لمنتدى الإعلام العربي السابع التي جاءت تحت عنوان (كيف يستجيب الإعلام الخليجي لتحديات التكنولوجيا)، خروجاً عن النص في كثير من المواضيع، وأفصحت في حوار خليجي خالص عن الصراع بين قطاعي الإعلام الحكومي والخاص في ضوء التطورات التكنولوجية التي عززت المنافسة، والتحولات الاقتصادية التي فرضت أنماطاً جديدة من ملكية وسائل الإعلام وتمويلها.

إضافة إلى تأثير القطاع المال والأعمال على الرأي الصحافي، ثم ضعف المخرجات الإعلامية التي توفرها الجامعات، قياساً مع حجم الطلب والتوسع، علاوة على عناوين أخرى مهمة ناقشها المجتمعون، باختلاف للرأي أحياناً وباتفاق أحياناً أخرى. وتحدث في الورشة كل من أحمد الشيخ العضو المنتدب لمؤسسة دبي للإعلام، وجمال خاشقجي رئيس تحرير جريدة الوطن السعودية، وابراهيم البشمي رئيس هيئة التحرير في صحيفة الوقت البحرينية، في حين تولى إدارتها عبدالله المر الزعابي مذيع في تلفزيون أبوظبي، وشهدها حشد كبير من الإعلاميين والمهتمين بهذا المجال، وفي مقدمتهم رؤساء تحرير ومسؤولي الصحف المحلية والخليجية.

واحتل موضوع خصخصة الإعلام الحيز الأكبر من الجلسة، حيث تشهد منطقة الخليج تحولاً ملموساً نحو الإعلام المؤسسي كوسيلة للابتعاد عن الصفة الحكومية للإعلام ومظاهر التبعية لرقابة وزارات الإعلام ومواكبة التوجه العالمي نحو الإعلام الخاص كوحدة اقتصادية مستقلة قائمة على الإنتاجية والجدوى الاقتصادية في محاولة إلى التخلص من السلطة المطلقة للمعلن.

وزارة الإعلام

أحمد الشيخ قال إن دولة الإمارات ألغت وزارة الإعلام وتحولت عن الإعلام الحكومي إلى الهيكلية المؤسسية التي تخضع للرقابة الذاتية فحسب انطلاقاً من مبدأ الحرية والضمير الصحافي، رافضاً أن يكون الإعلام مؤسسة تجارية تفتقر إلى الرسالة على غرار الفضائيات التي تحتشد في توفير نافذة للرسائل النصية القصيرة، أو التي تسعى إلى الاندماج في مؤسسات إعلامية أكبر للاستفادة من دعمها المالي، في حين تعد الشراكات بين وسائل الإعلام لأهداف كتوحيد الأسعار الإعلانية أمراً أكثر فاعلية في المحافظة على رسالة الإعلام واستمراريته في الوقت عينه.

وأوضح أحمد الشيخ أن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير على الإعلام في المنطقة، معتبراً أننا ما زلنا متأخرين عن العالم في هذا المجال، وإن سجلنا تقدماً على كثير من الدول العربية، ومؤكداً في السياق ذاته أن التكنولوجيا فرضت على الإعلام مواجهة من نوع آخر، حتى صارت شركات أخرى غير تقليدية تقف بوجه الإعلام وتنافسه.

ولفت إلى أن الهاتف النقال صار أهم من قنوات تلفزيونية، لكونه أضحى الوسيلة الأسرع في نقل الأخبار وتصوير الأحداث وبثها قبل التلفاز، فالتكنولوجيا أصبحت في موازاة الشركات غير التقليدية المنافسة إعلامياً، مشدداً على أهمية أخذ هذا التحول بعين الاعتبار، لاسيما في تدريس طلبة الجامعات على هذه الأمور التي تعد الأفضل إعلامياً، ومؤكداً أن المؤسسات الإعلامية الخليجية تنتقي أفضل التقنيات والأجهزة، ومن ثم تبدأ بتدريب الموظفين، رغم أن الواجب يحتم على الجامعات تدريب طلبتها أولاً للحصول على موظفين قادرين ومتمكنين.

10 مصورين

وأشار إلى أن جامعتنا تخرج إعلاميين في كل عام، لكننا للأسف لا نراهم على أرض الواقع، خاصة في مجال التلفزيون، رغم وجود عدد لا بأس به من المذيعين المواطنين، إذ إن المشكلة تكمن في الكوادر التلفزيونية الفنية، فمؤسسة دبي للإعلام موجودة منذ 35 عاماً لكن عدد المصورين المواطنين فيها لا يتجاوز العشرة، علاوة على أن التحرير التلفزيوني مجال يفتقد المواطنين أيضاً، وهنا صار من الواجب الاحتفاظ بالكفاءات الموجودة لتغطية الفرص المتوفرة، مؤكداً حاجة مؤسساتنا الإعلامية إلى إعلاميين يجيدون فن الإدارة أو إداريين لهم صلة بالإعلام، فالتوازن في هذا الأمر مطلوب لتقدم مؤسساتنا الإعلامية وتحقيق أهدافها والرسائل التي ترفعها.

وفي مجال التجارة والاقتصاد، شدد أحمد الشيخ على أهمية ألا يتجه الإعلام قطعياً إلى هذا المجال، لأنه سيفقد مسماه على أرض الواقع، والواجب أن يظل الإعلام مستقلاً رافعاً رسالة واضحة تبقى هي الأسمى مهما طفت على السطح من ظروف ومتغيرات، مستبعداً أن تكون في مجال الإعلام أي حركات استحواذ وسيطرة من قبل مؤسسات كبرى، إذ من الممكن أن تتوفر شراكات إعلامية هادفة بعيداً عن الاستحواذ بمعناه الأدق.

شفافية مطلقة

وأوضح أحمد الشيخ أن لكل دولة خصوصية في تغطية الأحداث الدائرة، ففي دولة الإمارات لا توجد مشكلات بارزة مثل التظاهرات التي تحدث في دول عربية أو خليجية، ومؤخراً حصلت إضرابات عمالية محدودة، وتعاطت معها وسائل الإعلام بشفافية مطلقة، إذ من الضروري أن نتحرك إعلامياً من خلال الواقع، وليس تيمناً ببريطانيا مثلاً، فلكل دولة خصوصيتها وواقعها المختلف، لافتاً إلى أن دولة الإمارات توفر مساحة كبيرة من الديمقراطية، فالمجلس الوطني وعملية الانتخاب الأخيرة شاهدة على هذا الأمر، إضافة إلى أن وزارة الإعلام ألغيت، ويتوفر في مختلف إمارات الدولة إعلام شفاف ويتعاطى مع مختلف القضايا بواقعية تتوافق مع الوضع المعاش والموجود.

أما إبراهيم البشمي فقد حذر من أن واقع الإعلام الحالي في منطقة الخليج لا يمكن له على المدى البعيد إيجاد أي شيء في ظل التكتلات العالمية الزاحفة على المنطقة، وبالتالي سنقف عاجزين أمامها. أكثر من ذلك فقد اعتبر البشمي أنه لا يمكن لأي صحيفة في هذه الأيام أن (ترفع عينها) على شركة مثل اتصالات، والسبب الإعلانات، رغم تباين المواقف بين دولة وأخرى، ففي الكويت مثلاً التشغيل الشهري لأي صحيفة يتعدى الـ 400 ألف دينار كويتي، وهو مبلغ باهظ لا بد أن تخفف من حدته الإعلانات، فكيف سيتبنى مشغلو الصحف قضايا وهموم الشعب ويهاجمون دفاعاً عن الحق، طالما أنهم بحاجة الإعلان، مشيراً إلى أنه ليس بمقدور الصحيفة الاستمرار في الانتقاد وتبيان الحقيقة، وبالتالي ستلجأ إلى تلوينها.

انقلابات عسكرية

وحول القطاع الإعلامي الحكومي أشار إبراهيم البشمي إلى أن قطاع الإعلام الحكومي في العالم العربي نبع من الانقلابات العسكرية، حتى أضحى أشبه بفرقة من فرق الجيش، وهو ما انعكس على باقي دول الخليج، خاصة تلك التي لم تعرف عنها الخبرة الإعلامية من قبل، لافتاً إلى أنه لا يمكن لنا الحديث عن تجارب صحافة خاصة، باستثناء دولة الإمارات، ومؤكداً على أهمية البحث عن أدوات جديدة من الإعلام توافق الحالة الخليجية الجديدة المتوفرة، فالمواطن لا يتابع قناة بلده إلا ما ندر.

أما جمال خاشقجي، فقد اعتبر أن الخصخصة مسألة طبيعية في الإعلام، وهي أمر له علاقة باقتصاديات الإعلام، والأفضل في الإعلام أن يكون تابعاً لمؤسسات وليس لأفراد، لافتاً إلى وجود تجارب في المملكة العربية السعودية لإطلاق صحف مستقلة، مؤكداً أن الاستحواذ في الإعلام العربي سيحصل، لكنه يحتاج لأنظمة تسانده، وقد حصل في أميركا، فالصحافة كما قطاع المقاولات والبنوك، عندما تكبر بموظفيها ومؤسساتها تسعى للتوسع جغرافياً واسمياً، فالاستحواذ سيكون نتيجة حتمية في المستقبل.

النفوذ السياسي

ورأى أن الإعلام سيظل مرتبطاً ارتباطاً عضوياً ومادياً برجال الأعمال وأصحاب المال والنفوذ السياسي، لا في المنطقة فحسب بل في العالم. وقال: (لا أحد يمكنه وقف هذه العلاقة، أولاً باعتبار الإعلام واحداً من الأفكار المشروعة للأعمال، وثانياً لأن المؤسسة الإعلامية تتطلب العقل الاقتصادي لضمان استمراريتها). ورد الخاشقجي مشكلة الافتقار إلى الإعلاميين الأكفاء إلى استمرار المفهوم السائد حول العمل في القطاع الحكومي، بحيث يتحول أكثر من 80 في المئة من خريجي كليات الإعلام في السعودية نحو العمل في مجال العلاقات العامة المدرجة ضمن الوظائف الحكومية أو الإعلام المرئي التابع لوزارة الإعلام، في حين تتجه قلة من الخريجين المتبقين إلى العمل في الصحافة المكتوبة.

ثلاثية البيان والأيام والحياة

إبراهيم البشمي، في مستهل مداخلته قال إنه حدث في العام 1989 تحول مهم، وكان تجربة محورية في عالم الصحافة العربية، والتي كانت في مجال إخراج الصحيفة من خلال الحاسوب، حيث اشتركت صحيفتا البيان الإماراتية، والأيام البحرينية، إضافة إلى جريدة الحياة في هذه التجربة التي أهلت التكنولوجيا الحديثة للغوص في مجال إنتاج الصحيفة، وقد كانت صعبة في بدايتها لكون أن العاملين لم يعتادوا هذا النمط من العمل، لكنها سرعان ما أظهرت إيجابيات فورية، أبرزها توفير الوقت والجهد والنوعية الإنتاجية، قبل أن يتوسع الاتجاه الحاسوبي إلى أشكال أخرى (ثورة في عالم البرامج) تخدم حقل صناعة الإعلام.

أقوال للمشاركين:شفافية إعلامية

أكد أحمد الشيخ أن الإمارات توفر شفافية إعلامية كبيرة، ولعل قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بمنع حبس الصحافيين يصدق هذا القول، مشيراً إلى وجود إعلام خاص بشكل يفوق العادي، فالصحف والقنوات التلفزيونية الحكومية سابقاً أضحت تتبع شركات ومؤسسات.

رجال الأعمال

جمال خاشقجي قال إن رجال الأعمال وأصحاب النفوذ السياسي يملكون قدرة التأثير على المؤسسات الإعلامية، وأكثر من ذلك فهم يملكون العضلات الكفيلة بإصدار صحف جديدة، وأكبر من ذلك، توظيفنا للعمل فيها.

صناعة المقال

شبه خاشقجي الصحافة بالحرفة، وقال إن حالها من حال النجارة مثلاُ، فمن غير المعقول ألا يجيد الصحافي صناعة المقال، ويتعين على الصحافي الإلمام بكافة أدوات الحرفة التي هو بصددها، وهي الإعلام، فيما أضاف خاشقجي أن الصحافي مثل الرسام يجب أن يعرف المهنة من داخلها.

مساءلة المواطنة

في مجال المواطنة والكفاءة قال إبراهيم البشمي، إن ظروف إيجاد المواطن الخليجي بشكل عام في مناصب إعلامية تحتمها السياسة لا الكفاءة، ومن الواجب الارتكاز إعلاميا على الكفاءة، أما مسألة المواطنة فهي مقولة (عفا عنها الزمن).

أرض الواقع

أجمع المشاركون في ورشة العمل على ضعف تواجد العنصر المواطن على أرض الواقع إعلامياً، وبرغم التوسع في مؤسسات الإعلام، إلا أن الجامعات لم تتمكن من المواكبة لتغطي الحاجة، فنسبة خريجي الإعلام العاملين في الصحف قليلة جداً، ومعظم العاملين تخرجوا من كليات غير الإعلام، وهذه مشكلة لا بد من معالجتها.