بدأت الجلسة الثالثة التي خصصت لبحث موضوع «التفاعل بين شركات التكنولوجيا ووسائل الإعلام» بحضور لافت رغم تأخرها لما يقارب الساعة نتيجة امتداد الجلسة التي سبقتها عن الموعد المقرر لانتهائها. وأدار الجلسة جاسم العزاوي الإعلامي في قناة «الجزيرة الدولية» وشارك فيها كل من الدكتور وليد منيمنة المدير التنفيذي لشركة «نوراتل»، والدكتور عمار بكار رئيس تحرير موقع «العربية نت»، وأيمن عبد النور رئيس تحرير موقع «كلنا شركاء في الوطن» الالكتروني، وآصف إسماعيل مدير مشروع «مركز السلامة العامة» في واشنطن.

وناقشت الجلسة تقييم التحالفات حول فضاء الهواتف المتحركة بين محركات البحث ومصنعي البرمجيات والأجهزة ومزودي المحتوى ومشغلي الاتصالات، عبر التطرق إلى محاور كانت حددت مسبقاً على النحو التالي: المخاطر والاحتمالات الناجمة عن اعتماد الشبكة المفتوحة. وانتقال تطبيقات المحتوى الإعلامي إلى منصات الدمج بين جميع الخدمات في الهواتف المتحركة، وإلى برامج الوسائط المتعددة في الكمبيوتر، واستبدال شبكات الهواتف المتحركة بالإنترنت اللاسلكي. وتكامل المنصات الأساسية والنتائج المترتبة على هذا التكامل.

والتحديات التي تواجه الشركات الإعلامية في التعامل مع صناعة تقنية المعلومات. وتحويل تطبيقات المحتوى إلى منصات الهواتف المتحركة الجديدة. وكيف تحدد المؤسسات الإعلامية أوجه تكامل تكنولوجيا المعلومات بطريقة يمكن أن تعود عليها بالنفع؟ ابتدأ الجلسة الدكتور وليد منيمنة المدير التنفيذي لشركة «نوراتل» باستعراض بعض التطورات الأخيرة في قطاع التكنولوجيا، موضحاً أنه من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة اندماجات أو شراكات كبرى بين أربعة قطاعات رئيسة هي الكمبيوتر والاتصالات والإعلام والألعاب.

مع الاستشهاد ببعض الأمثلة المبكرة على هذه الاندماجات وإن كانت لم تنجح سابقاً كما في حالة استحواذ «أميركا أون لاين» على شركة «تايم وارنر» التي تعتبر من أكبر صفقات العصر والتي تكبدت فيها الشركة خسائر كبيرة جداً نتيجة توقعات أثبتت التطورات عدم صحتها. إلا أن منيمنة أكد أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال عدم صحة رؤية «أميركا أون لاين» لمستقبل التطور «الإنفوتكنولوجي» بقدر ما يتعلق الأمر بالتسرع في رصد القفزة التكنولوجية التي ستتيح إمكانية الاستفادة المادية من عملية الدمج وفق مخططات إدارة «أميركا أون لاين».

وعزز منيمنة وجهة نظره باستعراض سريع لمستقبل التكنولوجيا خلال الأعوام القليلة القادمة مؤكداً على سبيل المثال أنه من المتوقع عام 2015 أن يكون خمسة مليارات نسمة متصلين بالإنترنت السريع الـ BROADBAND»، وما يتبعه من قفزة هائلة على صعيد الهاتف النقال والتطورات المتسارعة التي يشهدها، وأهمها ما تم مؤخراً من اتفاقات بين كبرى شركات الاتصالات وشبكات التلفزة لبث الإرسال التلفزيوني على الهاتف النقال بتكنولوجيا الإرسال التلفزيوني «BROADCAST» وليس بتقنية التنزيل «DOWNLOAD» العادية التي لا تتيح لعدد كبير من المشتركين الاتصال بالملقم في ذات الوقت.

وهو ما سيؤدي إما إلى اندماجات، أو على الأقل إلى شراكات في الفترة الأولى بين شركات الهاتف وشبكات التلفزة. وشدد منيمنة على أهمية المحتوى بالتأكيد على أن هذه المسألة تعتبر في الغرب من البديهيات بقوله «الإنترنت هو المحتوى والمحتوى هو الإنترنت»، داعياً الشباب في العالم العربي إلى إطلاق العنان لأفكارهم لما تتيحه القفزة التكنولوجية الهائلة المرتبطة بشركات عابرة للقومية تبحث عن الربح إلى أفكار جديدة تطور عبرها منتجاتها.

من جهته تحدث واشنطن آصف مدير ومحرر مشروع مركز السلامة العامة عن تجربته القصيرة في مجال الإعلام الحديث، حيث استطاع أن يحصد العديد من الجوائز خلال عمله في شركته التي تمثل مؤسسة مستقلة للتحقيقات الصحفية، حيث فاز مع فريق التحقيقات بجائزة جمعية الصحفيين المحترفين عام 2006، وجائزة المحققين الصحفيين عام 2004، بالإضافة إلى جائزة التحرير، كما فاز بجائزة جمعية الصحفيين في جنوب آسيا عامي 2004 و2005.

وكان الأكثر لفتاً للنظر في حديثه المقتضب هو تأكيده على ارتباط التكنولوجيا ـ بالنسبة إليه ـ بالحاجة أولاً وأخيراً، وليس بالترف كما هو حاصل في المنطقة العربية، مفاجئاً الجميع بأن أول مرة امتلك فيها هاتفاً نقالاً كانت في العام 2005. وعرض إسماعيل لبعض آثار القفزات التكنولوجية على التطورات في مجال الإعلام الحديث، والشراكة التي فرضتها هذه التطورات بين مجموعة من القطاعات الخدمية، مستعرضاً دور المتلقي في صناعة محتوى الوسائل الإعلامية التي يستخدمها كنتيجة لهذه التكنولوجيا كما في حالة موقعي الـ «FACEBOOK» و«YOUTUBE».

بعد ذلك انتقل الحديث إلى مدير موقع «العربية نت» ورئيس إدارة الإعلام الجديد في مجموعة MBC الدكتور عمار بكار الذي أكد على أن الاندماج والشراكة حاصلان لا محالة في القطاعات التي تحدث عنها الدكتور وليد منيمنة، لافتاً إلى أهمية القفزات التي تحققت خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنه حذر من ثلاثة مخاطر كبيرة برأيه قد تنتج عن هذه العملية وتترك آثارها بقوة على الإعلام.

وأولى هذه المخاطر بحسب الدكتور بكار هي أن عملية الاندماج أو حتى الشراكة سينتج عنها فصل المحتوى عن الوسيلة الإعلامية التي أنتجته، وهذا ما سينتج عنه بدوره فقدان المحتوى لأهميته التي يكتسبها من أهمية الوسيلة الإعلامية التي أنتجته.

فيما يتركز الخطر الثاني برأيه في مصداقية المحتوى المنشور والذي قد يتعرض للتشكيك، فالمؤسسة الإعلامية التقليدية بكافة أشكالها لا تزال تعمل وفق معايير وضوابط لا يمكن التخلي عنها، تأتي المصداقية عبر التأكد من صحة المعلومة ومصدرها في مقدمة أولوياتها، فيما لن تحظى هذه المسألة بالأهمية الكافية في الإعلام الحديث على اختلاف أشكاله، مما سينتج عنه أزمة ثقة بين المتلقي والمحتوى المنشور سيضيع معه الصالح بالطالح.

أما الخطر الثالث وهو الأهم برأيه، والذي قد يؤدي إلى انهيار المؤسسات الإعلامية التقليدية كونه يمس مصادر تمويلها، فيتمثل في هروب المعلن الذي تعتمد عليها وسائل الإعلام التقليدية إلى الأشكال الإعلامية الجديدة طالما أن نفس المحتوى سيتاح نشره عبرها، وربما بأسعار أقل وبانتشار أكبر.

ورغم تحذيره من هذه الأخطار إلا أن الدكتور بكار أكد أن الاندماج والاستحواذ حاصل لا محالة، مستشهداً بنفسه كرئيس لإدارة الإعلام الجديد في مجموعة MBC كاشفاً ما تطلبه منه إدارة هذه المجموعة من ضرورة التواجد على الإنترنت والهاتف المحمول.

وعزز مخاوفه بالتأكيد على أن ثورة التكنولوجيا والاتصالات أتاحت مصادر أكبر للأخبار عبر الشبكة العنكبوتية والهاتف المحمول، ولكن بطريقة سطحية، كسبب رئيس لانتشارها، ضارباً العديد من الأمثلة على أنه كلما ازداد الانتشار قل التعمق. وانتقد الدكتور بكار آلية التعامل العربية مع التكنولوجيا، مستشهداً بالمتحدث الذي سبقه حول مسألة الحاجة إلى التكنولوجيا، ليوضح بأن متوسط استبدال الهاتف الخلوي في دولة عربية كالسعودية على سبيل المثال لا يتجاوز الشهرين.

ودعا الدكتور بكار السلطات العربية إلى الاحتذاء بنظيرتها الأميركية التي تمارس دوراً كبيراً على انتشار المعلومات في الولايات المتحدة دون أن يكون الأمر شكلاً مباشراً كما في الحالة العربية. من جهته استعرض رئيس تحرير النشرة الإلكترونية «كلنا شركاء في الوطن» أيمن عبد النور بعض الأرقام التي من المتوقع أن تصل إليها البشرية عموماً والعالم العربي على وجه الخصوص في مجال دخول التكنولوجيا إلى كل مناحي الحياة قريباً.

وتوقع عبد النور الذي يرأس تحرير النشرة الالكترونية في سوريا، أن تشهد الفترة القادمة المزيد من الضغوط من قبل السلطات العربية للحد من تأثيرات ثورة الاتصالات ودورها في نشر المعلومات، مؤكداً استمرار قدرة هذه السلطات على ممارسة دور الرقيب حتى اليوم، مستبعداً إمكانية استمرارها بذلك في المستقبل القريب. واستشهد عبد النور بالتقرير الشهري الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود ليؤكد تزايد حجم إغلاق المواقع على شبكة الإنترنت بشكل متزايد في الآونة الأخيرة في العالم العربي.

وبدا عبد النور متشائماً لجهة التأكيد على أن الحظر الحالي الذي يمارس من قبل بعض الأوصياء على الإعلام لا يستهدف فقط منع المتلقي من الوصول إلى المعلومة، وإنما إلى خلق حاجز نفسي بينه وبين مصادر الأخبار، تارة بحجج ونظريات تستند إلى «المؤامرة» وتارة بتخوينها.. متسائلاً عن إمكانية الجيل القادم من التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة في ظل هكذا حواجز ستكون حفرت عميقاً في دماغه.

دبي ـ «البيان»