نجتمع للمرة السابعة على أرض دولة الإمارات العربية حيث إيقاع الحياة وحيوية التجديد والابتكار، ونكمل في لقائنا في إمارة دبي حديثاً لم ينقطع منذ أن أُطلق نادي دبي للصحافة، عام 1999، ليكون أول نادٍ عربي من نوعه، ومنذ بدء فعاليات منتدى الإعلام العربي، عام 2001، الذي شكل على الدوام ساحة تلاقٍ إعلامي بامتياز على امتداد منطقتنا العربية.
اخترنا هذه السنة أن نفرد مساحة أكبر لموضوع غير تقليدي يقرع أبوابنا بقوة، ألا وهو التكنولوجيا الرقمية كمكوّن رئيسي بات يهيمن على عالم الإعلام. سبب اختيارنا كان الرغبة في الجمع بين الآراء المتنوعة حول هذه الظاهرة اللافتة التي قلبت القواعد التقليدية للعمل الإعلامي بالشكل الذي عرفناه حتى اليوم. وأيضاً لأن البعض من الآراء السائدة يستند إلى دراسات وإحصاءات، ولأن كثيراً منها يستمد مادته من أفكار مسبقة أو انطباعات قد تبدو غير واضحة المعالم.
هذا التنوع إنما يعكس صعوبة الإحاطة بظاهرة لا تزال - على اتساعها - في مراحلها الأولى، في وقت لم يعد العالم اليوم يتحدث فقط عن قارة رقمية هي شبكة الانترنت وتطبيقاتها، بل بات الحديث يدور أساساً عن «الكون الرقمي» وطوفان المعلومات فيه. كيف لا ومخزون الذاكرة الرقمية للعالم يتضاعف كل عام بمعدل 60 في المئة، وقد بلغ حتى الآن 290 مليار جيجا بايت، 70 في المئة منها أنتجها أفراد، وهي نسبة هائلة وعظيمة تتجاوز كل التصورات.
مثل هذا التحول ولّد لصناعتي الصحافة والمحتوى الإعلامي تحدياً جديداً وحقيقياً لم تستعدا له، ولكنه فرض نفسه عليهما وعلينا جميعاً في عالم الإعلام والصحافة. وقد يتبادر إلى ذهن المرء تساؤلات كثيرة، مثل: هل تتيح التكنولوجيا حرية أكبر؟ هل ستصبح الصحافة شيئاً مغايراً عما نعرفه اليوم؟
هل يصبح الهاتف الجوال الأداة السحرية التي تحمل داخلها جريدة المرء وكتابه وتلفزيونه وجهاز كمبيوتره الشخصي وكل ملفاته التي يستطيع فتحها ونقلها بلمسة زر واحدة؟ هذه التساؤلات وغيرها الكثير ستبدو مجرد تساؤلات ساذجة بعد عشر سنوات من الآن، إلا أنها جميعاً أسئلة لا سبيل إلى تجاهلها اليوم. وقد راعينا في المنتدى هذه السنة إيجاد ساحة مناسبة للحوار حول هذه المسائل وقضايا أخرى تخص الصحافة وأهلها، بقصد التوصل إلى تصورات مشتركة بين المجتمعين، وهم نخبة من العاملين في الشأن الإعلامي في العالم العربي والساحة الدولية.
في عالمنا العربي تحولات تستحق من المشاركين في منتدى الإعلام العربي السابع التوقف عندها والحديث عنها، وقد أدرجناها في مواضيع الجلسات. فهناك النمو غير المسبوق للصحافة الإلكترونية على حساب المطبوع. فمقابل ما يزيد على خمسة آلاف صحيفة حول العالم، هناك فقط 280 صحيفة يومية عربية، أي أقل من صحيفة واحدة لكل مليون مواطن عربي. بالمقابل تذهب الاستثمارات إلى وجهة أخرى هي التلفزيون حيث يتواصل النمو بوتيرة غير مسبوقة.
وتشير الإحصاءات إلى أن التلفزيون في عالمنا العربي يشكل المصدر الرئيسي للمعلومات إذ يستقي منه 78 في المئة من السكان معلوماتهم، وهذه أعلى نسبة في العالم أجمع. واستجابة ربما لهذا الميل اللافت، وصل عدد قنوات البث الفضائي، دون القنوات الأرضية، إلى 453 فضائية عربية، وهي تتوزع بين عدد أقل بكثير من هيئات البث المالكة. وهذه الهيئات لا يتجاوز عددها 52 هيئة، منها 27 هيئة تتبع القطاع الخاص.
في العالم العربي يصل عدد من هم دون سن الخامسة والعشرين إلى 65 في المئة، وهذه أرقام ستفرض على صحافتنا وإعلامنا في المستقبل التكيف معها. ومعروف أن الشباب هم الفئة الأكثر قدرة على الاستفادة من التسهيلات التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية والتطبيقات المتاحة على الانترنت. وتعتبر المدونات الوسيلة الأبرز التي يلجأ إليها الشباب للتعبير عن ذاتهم، حيث التعبير أقل كلفة وأكثر يسراً.
وبالرغم من انتشار المدونات العربية التي يتعذّر تحديد عددها، إلا أن واحداً في المئة فقط من المحتوى العالمي للإنترنت عربي المنشأ، وهذه النسبة غير مرشحة للارتفاع إلا إذا تم توسيع نطاق الخدمات الرقمية المتاحة في مجتمعاتنا، وفي جامعاتنا ومراكز الأعمال.
تحتاج هذه الأرقام إلى وقفة منا، ونحن نحاول أن نرصد مدى استفادتنا من تكنولوجيا لا تزال تصنع في الخارج ولكن تطبيقاتها باتت تؤثر بقوة على حياتنا اليومية في عالمنا العربي، وتدخل في تفاصيل عيشنا، وحتى في طريقة صناعة الصورة والمعلومة التي تخص وجودنا وقضايانا.
والملفت أنه في الوقت الذي نحاول فيه أن نرصد عمق التحولات التي تجري في عالم الانترنت، نجد أن التطبيقات الرقمية تهاجر من جهاز الكمبيوتر إلى جهاز الهاتف المتحرك. وهذه الهجرة تقتحم حياتنا جميعاً بدون استئذان، وتفرض تحدياً من نوع جديد على مؤسساتنا الإعلامية والصحافية.
لقد أنتج العالم العام الماضي قرابة 300 مليون جهاز كمبيوتر شخصي، مقابل 1. 1 مليار من أجهزة الهاتف الجوال، في وقت تضاعف عدد مستخدمي الهاتف الجوال حول العالم إلى أكثر من ثلاثة مليارات نسمة. وإذا صدّقنا الإحصاءات التي تظهر توسع نسبة انتشار الهاتف الجوال وشبكاته من الجيلين الثالث والرابع في بلداننا العربية.
فقد يكون في هذه العلبة السحرية الصغيرة مفتاح تحول سيكون أسرع في التأثير على عملية إنتاج المحتوى الإعلامي والصحافي ونشره، مما قد أتاحته حتى الآن شبكة الانترنت. ونأمل أن يعزز المنتدى في دورته السابعة حوارنا حول قضايا الإعلام التي يمكن لها أن تبدأ ولكن لا يمكن لها أن تنتهي.