لا يتردد ساشي كومار، أحد أبرز الوجوه الإعلامية في شبه القارة الهندية والقادم من تجربة طويلة في القطاعين العام والخاص، في تقديم رؤية قاسية لمستقبل الصحافة في العصر الرقمي وللتأثيرات المعيقة التي تقوي سيطرة المستثمرين على عالم الصحافيين وعلى عملية نقل المعلومات.
وإن كان هذا لا يمنعه من توقع ولادة شكل جديد من الصحافة في نهاية المخاض الصعب الذي تفرضه التكنولوجيا الرقمية. كومار الذي يشغل منصبي رئيس «مؤسسة التنمية الإعلامية في الهند» ورئيس مجلس إدارة «الكلية الآسيوية للصحافة» في مدنية تشيناي، يؤكد أن العالم قد تعرض إلى تحول جذري في طريقة نقل الخبر والمعلومات وأن السبب هو طبيعة التكتلات الاستثمارية التي تشهدها سوق الإعلام، وهي تكتلات يتميز كثير منها بطابع احتكاري. يشير إلى أن قبضة السوق على وسائل الإعلام أصبحت أقوى من أي وقت مضى، ما أدى إلى انحسار وسائل الإعلام الحرة ومعها حق المواطن في الحصول على المعلومات عن طريق وسائل الإعلام. ويعتبر أن الهاتف المتحرك أداة فاعلة لما أسماه «الصحافة الشعبية»، لافتاً على صعيد آخر إلى أن ضرورة التمييز بين الصحافة والإعلام في وقت بات الاستخدام المتسارع للتكنولوجيا الرقمية يقود حكماً إلى التوسع في المنتجات الإعلامية وإلى تقلص في حجم الصحافة.
ويضيف أن ثمة فجوة متزايدة بين وسائل الإعلام والجمهور الذي ينظر بريبة إلى هذه الوسائل التي تعمل على تحويله من «قاريء» و«مشاهد» إلى مجرد مستهلك لخدماتها الإعلامية. ويرى أن تجربة كوريا الجنوبية وانتقالها في اليابان تفتح الباب أمام ولادة نمط جديد من صحافة المدونات، منبهاً إلى أن عدم إتاحة الحزمات العريضة من الإنترنت يقلص الفرص المتاحة أمام التوسع في الاستفادة من تطبيقات التكنولوجيا الرقمية. كما يتطرق إلى بيئة العمل الفريدة التي اضطر إلى مواجهتها في الهند، قبل أن يحقق النجاحات التي حققها في مجال العمل التلفزيوني الفضائي.
وفي ما يأتي نص المقابلة:
كيف تعمل وسائل الإعلام الجديدة على إحداث تغيير في الساحة الإعلامية ؟ هل تشكل تهديداً على وسائل الإعلام التقليدية؟
تتميز وسائل الإعلام الجديدة بأنها رقمية، وتفاعلية ومتعددة الوسائط. كما استطاعت هذه الوسائل تخطي حدود عمل وسائل الإعلام التقليدية بمراحل، وعملت على إعادة تعريفها. وأصبحت الكاميرات اليوم التي تأتي مدمجة مع الهواتف المتحركة، وتتيح إمكانية إرسال الرسائل النصية من خلالها جزءاً من المشهد الإعلامي. وطبعاً فقد أصبح الانترنت موقعاً لتقارب وسائل الإعلام مع سرعة البث، والمثال على ذلك موقعا الانترنت التفاعليين يوتيوب، وفيس بوك، بالإضافة إلى غيرهما من المواقع التي أثّرت بقوة على وسائل الإعلام.
إن النفاذ إلى وسائل الإعلام الرقمية أمر ميسر، وأكثر «ديمقراطية». وكان هناك إجلاء للحقيقة عبر كافة وسائل الإعلام، حول التكنولوجيا الإعلامية. وقد بدأت هرمية وسائل الإعلام التقليدية، محفزة بالتحول إلى العصر الرقمي، بالانهيار والتقهقر. ولم تعد عبارة عن سيل من المعلومات في اتجاه واحد محدد المسار من المركز إلى المحيط، بل أصبح هناك الكثير من المراكز، وبدأت الهوامش تتحرك نحو المركز.
كما تمت الاستعاضة عن قليل من الشخصيات التلفزيونية البارزة من خلال استضافة المذيعين، وضيوف البرامج الحوارية. وكما قال «أرهول» ان أي شخص بإمكانه الآن الحصول على خمس عشرة دقيقة من الشهرة.
والملاحظ أن تصنيف سوق وسائل الإعلام وتصنيف مستهلكيها يتم بشكل متزايد، لتصبح لعبة التصنيفات هذه شيئاً فشيئاً أكثر تعقيداً، وتبدو جميعها مشدودة ومشوشة. وذلك لأننا انتقلنا من العصر التناظري إلى العصر الرقمي. وتحاول وسائل الإعلام التقليدية اليوم يائسة التأقلم مع هذا التوجه الرقمي الجديد.
في الهند، عدم كفاية الموجات العريضة النطاق لدى المستهلك العادي يحول دون التطور السريع للتكنولوجيا في المجال الإعلامي. طبعاً هناك حقيقة أكبر بكثير تتجلى في أن الدولة لا يمكنها توفير هذه الخدمات، وبالتالي فهي محرومة من جني فوائد التكنولوجيا، ما يجعل الفجوة الرقمية تتزايد يوماً بعد يوم.
حقوق المواطن السليبة
ـ هل تعتقدون أن أنماط الملكية الجديدة تجعل من استقلالية الإعلام قضية غير واقعية؟
- نعم، لقد استغلت الشركات التجارية التطور الحاصل في المجال التكنولوجي في وسائل الإعلام، كما قامت بتطويرها وتجهيزها بكافة المعدات اللازمة، حتى أصبح الاحتكار الصفة السائدة في وسائل الإعلام. في الهند، لا توجد هناك قيود على ملكية وسائل الإعلام، بينما نجد أنه في الولايات المتحدة يُفرض مزيد من القيود على ملكية وسائل الإعلام المختلفة، ولكن هذه القيود تواجه معارضة شديدة من شركات الأعمال الكبرى.
وهكذا فإن لدينا حالة يكون فيها الكثير من المؤسسات الإعلامية حكراً على عدد قليل من تجار الإعلام الذين يجمعون ما بين وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية والمشاريع التجارية الإلكترونية تحت اسم العلامة التجارية نفسها، من غير أن يبقى هناك حيز كاف لأصحاب المشاريع الإعلامية الصغيرة. وقد أصبحت استقلالية وحرية وسائل الاعلام ضحية هذه العملية.
وتحاول وسائل الإعلام استرضاء السوق والقارئ أو المشاهد الذي يقوم بدور المستهلك هنا. وفي الوقت الذي أصبح فيه الإعلان الوسيلة الشائعة لرفد المداخيل، أصبحت قبضة السوق على وسائل الاعلام أقوى من أي وقت مضى. وأفضى هذا كله إلى انحسار حق المواطن في الحصول على المعلومات عن طريق وسائل الإعلام، والذي هو سبب وجود وسائل إعلام حرة في ظل الديمقراطية في الأساس.
مزايا ثابتة على المتحرك
ـ ما هي توقعاتكم لخدمة الهواتف المتحركة كوسيلة للحصول على الأخبار والمعلومات ؟
- أعتقد أن الهواتف المحمولة أصبحت تستخدم على نطاق واسع كأداة لجمع الأخبار ونشرها في الهند وخارجها. وفي الواقع فقد أصبحت أداة رئيسية من الصحافة الموازية، وهناك ثلاث مزايا رئيسية لهذا التطور وهي:
1. أصبحت عملية ارسال النصوص النصية عبر الهاتف المحمول من الأنشطة الصحافية وبوسائل عدة. فقد أصبح الناس يعتمدون عليها لاستقبال وإرسال نتائج مباريات الكريكت وغيرها من الأخبار الرياضية، وتطورات السوق مثل تقلبات سوق الأسهم وغيرها من المعلومات الهامة التي يحتاج الناس إلى البقاء على علم وتواصل معها. ومع ازدياد شعبية هذه التوجهات، يمكننا أن نرى كيف أصبح الهاتف النقال وسيلة لنشر الأخبار.
2. وعلى القدر نفسه من الأهمية، في رأيي، نوع من أنواع الترميز، أصبحت اللغة التي تشبه شفرة مورس الناتجة عن إرسال الرسائل النصية، شائعة الآن وخصوصاً بين أوساط الجيل الجديد. ويجري الجيل الجديد تجارب هامة مع اللغة في هذا المجال، وأعتقد أنه تطور بالغ الأهمية، وسيكون له آثار كبيرة على المدى البعيد على لغة الصحافة.
3. تعد الهواتف المتحركة نوعاً من أنواع التطور التقني والصحافة الخاصة بالشعب في زمن العولمة. إن أول «خبر عاجل» حول تسونامي أو تفجيرات مترو لندن انتشر في أنحاء العالم كافة من خلال أناس عاديين استخدموا كاميرات هواتفهم المتحركة. وهذا مؤشر هام يدل على ظهور نوع جديد من أنواع الصحافة الشعبية. وقد أصبح جهاز الهاتف النقال أكثر تطوراً من حيث الموجات عريضة النطاق، والاتصال، والمهام التي يقوم بها، ولذا فقد أصبح أداة فعالة للصحافة الشعبية.
ـ كيف تقوّم تطبيقات تكنولوجيا المعلومات بتشكيل بيئة وسائل الإعلام الناشئة؟
- لا شك أن تطبيقات تكنولوجيا المعلومات ساهمت باحداث تغيير شامل في بيئة وسائل الإعلام، ويجب علينا هنا أن نميز بين الصحافة والإعلام. فالصحافة اليوم ما هي إلا جزء صغير جداً في بحر الإعلام الكبير. ومن ناحية نحن نمتلك قطاعاً إعلامياً متنامياً، وصحافة آخذة بالتقلص في الناحية الأخرى. وقد تضاءل حجم الصحافة كثيراً في القطاع الإعلامي، وما يحدث في هذا القطاع اليوم ما هو إلا عملية تحول للشكل، والمضمون، والفئات. ويحدث هذا كله نتيجة لتطبيقات تكنولوجيا المعلومات. وليس هناك أي مجال لظهور أي بادرة حسنة في صحافة هذه الأيام، خاصة أن القطاع الإعلامي سبق الصحافة بمراحل وخلفها وراءه.
إن الأجيال الجديدة من أدوات الاتصال هي في الحقيقة منتجات إعلامية أكثر منها صحافية. ويعد هذا التوجه صحيحا أيضاً في عمليات الاندماج والاستحواذ التي تجري في القطاع الإعلامي في السنوات الأخيرة. وما الصحافة سوى جزء صغير جداً من هذه الشركات المندمجة. ولتوضيح ذلك تمثل «ايه بي سي نيوز» أقل من 2 في المئة من أرباح ديزني.
ومن جهة أخرى، تضاءلت إسهامات الأخبار، التي لطالما استأثرت بمعظم إيرادات مؤسسة «التايم»، إلى نسب ضئيلة بعد اندماجها في شركة «أميركان أون لاين». وتسهم «إن بي سي نيوز» بأقل من 2 في المئة من أرباح شركة جنرال إلكتريك. والسبب وراء ذلك هو أن تقنية المعلومات فتحت آفاقاً جديدة أمام وسائل الإعلام والصحافة. وأنا واثق من ولادة أشكال جديدة من الصحافة بعد هذا المخاض العسير.
ـ ما هي انعكاساتها على الديمقراطيات؟
- كبيرة. لقد تطرقت إلى هذه المسائل في معرض أجوبتي عن الأسئلة السابقة. إن جوهر القضية يكمن في حق المواطن في الحصول على المعلومات، بالإضافة إلى حقه في اختيار المعلومات. وثمة فجوة متزايدة بين وسائل الإعلام والجمهور، حتى أصبح ينظر للعلاقة الرابطة بين وسائل الإعلام والسوق على أنها نوع من أنواع التواطؤ. أنت لم تعد تتحدث حول «قراء» و«مشاهدين»، بل عن «مستهلكي وسائل الإعلام».
إذا كنا مستهلكين لوسائل الإعلام، اضمن لنا حقوق المستهلك من خلال الطلب والحصول على المعلومات التي تهمنا وخذ ثمناً مقابل لها. لا أعلم بوجود منتدى ينصف المستهلكين، أو محكمة شكاوى يستطيعون من خلالها رفع قضية ضد الصحافة الرديئة. ومن المهم أن نرى ماذا سيحدث في حال ذهب أحدهم وفعلها.
صحافيو الفنادق والمدونات
ـ ما رأيكم بتلفزيون الإنترنت، وأجهزة الهاتف المتحرك، والمدونات التي تعمل جميعها على إعادة تشكيل الساحة الإعلامية؟
- أصبحت المدونات جزءاً أساسياً من العملية الإعلامية، ويدل على ذلك ما حدث في العراق، فبينما يقيم الصحافيون الغربيون في العراق في أمان في غرفهم في فنادق خمس نجوم، فإنهم يحصلون على مواد أخبارهم مباشرة من المراسلين المحليين والمدونين. وتشكل الأخبار والتقارير التي تنشر على شبكة الانترنت من قبل المواطن الصحافي المصدر الرئيسي لمعلومات هؤلاء الصحافيين، الذين يرسلون أخبارهم إلى شبكاتهم من على شرفات فنادقهم، ولا يتحملون عناء البحث عنها، بينما تأتي إليهم بيسر وسهولة من خلال المدونين والمراسلين المحليين.
أما الوجه الآخر للمدونات فهو صعوبة التحقق من صحتها، فضلاً عن تحملها للمسؤولية. وأنا واثق من أن موقعي يوتيوب وفيس بوك سيعملان قريباً أيضاً على توسيع نطاق هذه الصحافة الجديدة. كما يعد تلفزيون الإنترنت أداةً ضخمة للصحافة، إلا أنها لا تملك الكثير من فرص النجاح ما لم يتم توسيع الموجات العريضة النطاق بشكل مناسب.
وكمثال ناجح لذلك انظر إلى كوريا الجنوبية، حيث تحصل صحيفة «Oh My News»، رابع أكبر صحيفة في كوريا الجنوبية، على أخبارها من خلال 40 ألفا من المواطنين العاديين الذي يرسلون الأخبار إلى الصحيفة، التي لا يعمل في موقعها على الإنترنت سوى 50 صحفياً متخصصاً، تنحصر مهامهم بغربلة المواد الواردة إليهم وانتقاء ما يرونه مناسباً للنشر. وقد انتقلت الصحيفة الآن إلى اليابان، وأمامها الكثير من فرص النجاح بسبب توافر الموجات العريضة النطاق، فضلاً عن إمكانية النفاذ إلى الانترنت في هذه الأسواق.
ـ امتدت مسيرتكم المهنية في قطاع الإعلام خلال الفترة التي سبقت وتلت قدوم التقنيات الجديدة. هل يمكنكم إيجاز تجربتكم خلال دخول قطاع الإعلام إلى العصر التقني الجديد؟
- نعم، لقد عاصرت موجة تحول البث التلفزيوني من الموجات الأرضية إلى الفضائية في بداية التسعينات في الهند. وكنت قد أمضيت أكثر من عقد من الزمان أعمل في التلفزيون كمذيع للأخبار باستثناء سنتين عملت خلالهما في الصحافة المطبوعة، ومن ثم عملت كمنتج للأخبار، والأفلام الوثائقية.
وكنت قد عملت في البحرين في الفترة بين عامي 1984 و1986 كأول مراسل في الشرق الأوسط لصحيفة «The Hindu»، الصحيفة الهندية الوطنية. وحفلت تلك السنتان بالكثير من الأحداث حيث كانت الحرب الإيرانية العراقية على أشدها، كما عملت في فترة من الفترات خلال وجودي في المنطقة في تقديم أخبار الصباح، وكنت أول مذيع «غير بريطاني» يقدم البرنامج على أثير إذاعة البحرين في تلك الفترة.
وبالرغم من ذلك فقد كنت متشوقاً للعودة إلى الهند، والعمل في التلفزيون، الذي كان يمر آنذاك بعملية إصلاح وانفتاح. وكانت قبضة الحكومة، يقال عنها أيضاً القبضة الحديد، على «دوردارشان»، محطة التلفزيون الرسمية، تتراخى شيئاً فشيئاً.
وتوليت تأسيس قسم الصحافة التلفزيونية في الوكالة الوطنية للأنباء «Press Trust of India» والتي تعرف اختصاراً بـ «PTI»، وأصبح المشروع الجديد معلماً بارزاً في عالم التلفزيون في الهند في أواخر ثمانينات القرن الماضي. وكانت تقنية البث الفضائي المباشر تسود في ذلك الوقت على حساب التلفزيون الأرضي، وتسيطر على الأثير على طول خطوط الجغرافية السياسية.
وأظهرت تغطية محطة «سي إن إن» لحرب الخليج الأولى عام 1991 تحرر وسائل الإعلام من سيطرة الدولة على هذا القطاع، وفي غضون أسابيع قليلة، كان مشغلو التلفزيون الكبل يقومون بعملية تركيب الصحون اللاقطة لالتقاط التغطية التي تقدمها قناة «سي إن إن» للحرب وإرسالها عبر كابلات نحاسية إلى المنازل. لتبدأ بذلك ثورة التلفزيون الفضائي والكبل، وانتهاء احتكار الحكومة لوسائل الإعلام الالكترونية.
كنت مسروراً بالإمكانات التي وفرتها التكنولوجيا الجديدة، وفوراً اقترحت مشروعاً على وكالة الأنباء الوطنية «PTI» لإطلاق قناة فضائية اخبارية مستقلة خاصة بها. ونظراً لأن مجلس إدارة الوكالة كان يضم في عضويته بعضاً من ملاك الصحف الذين لدى غالبيتهم مشاريعهم الخاصة في العمل في التلفزيون، فقد حصل اقتراحي على ردود فعل متباينة.
وعندما تأكدت أن اقتراحي وصل إلى طريق مسدودة، قررت الانسحاب والمضي قدماً به ولكن بمفردي. وبما أن القناة التي اقترحت إطلاقها على وكالة PTI كانت متخصصة بالهند فقط، فقد قررت أن أطلق قناة إقليمية وبذلك ظهرت قناة «آسيانت»، لتكون أول قناة تلفزيونية فضائية ناطقة باللغة الهندية.
في الحقيقة لم أكن أمتلك الكثير من المال، بل إن كل ما كنت امتلكه هو عزيمة لا تلين وثقة لا تتزعزع بنجاح المشروع، وكان الأمر شاقاً علي منذ اليوم الأول، حيث بدأت بالمضي قدماً خطوة فخطوة، وبقيت مصمماً على إنجاح مشروعي إلى أن انطلقت قناة «آسيانت»، وقناة تلفزيون الكبل «آسيا نت ساتكوم» في عام 1992. وكانت كلتاهما من المشاريع الرائدة، واستمرتا في حصد الكثير من النجاح على مدى كامل العقد التالي.
قانون عام 1885
ـ كان لكم قصب السبق في مجال إطلاق القنوات التلفزيونية الفضائية الخاصة في الهند. كيف كانت تجربتكم في ذلك المجال؟
- كانت تجربة مثيرة، وضرباً من ضروب المغامرة لأنه لم يكن لدينا أي تجربة سابقة أو نماذج نتبعها، كما كنا متحمسين لخوض هذا المجال، ولدينا إحساس بحدوث نهضة إلكترونية. وعمل كل عضو من أعضاء الفريق، سواء كان عمله إبداعي، أو تقني، أو في المجالات الأخرى مدفوعاً بعاطفة كبيرة، ويمكن أن نرى ونستشعر التصرف الأبوي، والتربوي من خلال الرتابة التي تسود وسائل الإعلام التي تديرها الدولة، والتي تم استبدالها بمحطة تلفزيونية مستقلة. طبعاً سبقتها مرحلة تجريبية لم تخل من الأخطاء، ولكن العملية بحد ذاتها كانت تجربة رائعة استفدت منها الكثير.
اضطررنا إلى إيجاد فئات جديدة من البرامج، وابتداع أشكال أخرى، والتوصل إلى أساليب جديدة تناسب التلفزيون الناطق بلغة المالايالام، وذلك من خلال توقع اهتمامات المشاهدين، وإيجاد توازن بين البرامج الجدية والترفيهية، وتحديد الطابع الشامل للقناة وما إلى ذلك. كما كان هناك أيضاً الكثير من التحديات اللوجستية وغيرها المتعلقة بسياسة عمل القناة.
لم نستطع، على مدى السنوات القليلة الأولى، من إرسال إشاراتنا إلى الأجهزة المرسلة من الهند لأن قانون عمل البرق الهندي لعام 1885، الذي كان سارياً عند انطلاق عملنا، يحظر إرسال أي إشارة لاسلكية من أي طرف كان ماعدا الحكومة. وكنا بداية نبث إرسالنا من روسيا، ثم من الفلبين، وسنغافورة إلى حين سمح لنا أخيراً من البث من الهند.
وإذا ما نظرنا وراءنا، يبدو أنه كان كابوساً حيث كنت تضطر إلى إرسال أشرطة البرامج إلى محطات الإرسال في الخارج، وتخصيص فريق من المذيعين والمحررين والمنتجين حيث تجرى عملية الإرسال وتتم عملية بث الأخبار مباشرة على الهواء من استوديو مخصص لهذا الغرض، وترسل الأخبار مرات عدة في اليوم عبر الفاكس ولاحقاً عبر وسائل البريد الالكتروني.

