حينما تجد الحق تبارك وتعالى يقول للأمة: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً» تعلم أنه قد وضع مصباحاً لكشف من يرجو الله بعمله ويؤمن بما في اليوم الآخر من عقوبة وأليم عذاب، أو ثواب وحسن جزاء، ممن لا يصدق بالله ولا يصدق باليوم الآخر، ومعيار ذلك إتباع النبي صلى الله عليه وسلم وإحسان التأسي به، فمن لا يملك هذه العلاقة أو التعلق الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يكون مؤمناً مصدقاً بالله عز وجل أو باليوم الآخر، مهما صرح بكلمات الحب والهيام بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أو ارتدى ثياب المسلمين، لأن العبرة والمعيار هي دراسة أوجه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للاطلاع على كافة جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره، ومن أجل ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم»..

وفي الحديث المتفق عليه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، ومعلوم لدى الكافة بداهة أنه إذا أحب الصغير الكبير قلده وحاكاه، ولذلك نجد الطفل الصغير المحب لوالده، يتخيل نفسه في مقامه، ويقوم بتقليد حركات أبيه التي يراها أمامه في معاملة الأسرة، عند الرضا والغضب وغير ذلك، وتشب مع نشأته كل هذه الممارسات.

فضلاً عن طاعته فيما يأمر وينهى، إذ لا يستقيم عقلاً أو عرفاً دعوى الحب مع المخالفة والمجانبة والمدابرة، وإذا كان ذلك شأن الطفل مع أبيه، فكذلك المسلم مع رسوله الذي وثق به وصدق رسالته وبعثته، يعبر عن حبه له ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتمثل سلوكه وتصرفاته التي وصلته ونقلت إليه، فضلاً عن سرعة امتثال أمره وطاعته، وتقديم هذه الطاعة على كل محبوب وعلى كل رغبة، وكلما زاد رصيد الأعمال الصادرة من المسلم.

كلما تعمق الإيمان في قلبه وامتدت شجرته بفروعها المحملة بالثمار الطيبة إلى عنان السماء، ومن أقوى الثمار الحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يدعو المؤمن إلى محاولة التشبه به في خلقه وسلوكه ومعاملاته، وليس هذا فقط، بل حتى الرغائب والأهواء تكون تبعاً لمراد النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»!

غير أننا وبكل أسف، لا نجد رائحة هذا الإتباع بين المسلمين، سواء في معاملاتهم فيما بينهم، أم فيما بينهم وبين غيرهم، غير المسلمين، بحيث لا يعطون عن أنفسهم أو في انطباع بأنهم يعرفونه فضلاً عن محبته، حتى استحقوا أن يصفهم غيرهم بأحط ما قيل وصفاً لبشر، بينما رسولنا وإمامنا، هو بلا أدنى مراء، صاحب الخلق العظيم، ومن كان خلقه القرآن..!!

وإلا فقل لي بالله عليك، ما للنبي صلى الله عليه وسلم وما يكون عليه المسلم إذا سافر بلاداً غير إسلامية، من تحلله من دينه عامة في علاقته بغير المسلمين، إذ يسرف في شرب الخمر وأخواتها، ويسرف كذلك في علاقات جنسية غير مشروعة، ويرتدي أزياءهم ويشاركهم أعرافهم وعاداتهم التي تتعارض مع مقتضى دينه الإسلامي، بحيث تنمحي مواصفات الشخصية الإسلامية..؟!

بل الأدهى والأمر أن يتحلل المسلم من سمات دينه ومواصفاته الخلقية، ليس في خارج بلاده الإسلامية، بل في داخلها أيضاً، وبين أهلها المسلمين، فلدينا من يحاكي غير المسلمين لاسيما من كانوا مأخوذين بالبث الإعلامي وما يقضيه من أعراف وأفكار وتصورات وسلوكيات تدير بثها ونشرها وترسيخها هيئات ومنظمات وجماعات ذات مصلحة حقيقية في صرف الأمة عن دينها، وتغريبها عن قيمها وتقاليدها وأعرافها، وتفريغ القلوب والضمائر من أية مراقبة لله رب العالمين، ومن ثم تتلاشى قيم الولاء للأمة والأرض والحرمات والمقدسات فتقبل ما يأتي إليها من عدوها الرابض على الثغور حتى يتمكن من الإمساك بزمام قيادها..!

بل لنكن صرحاء ونقول إنه على المستوى الأقرب، هناك تباعد أيضاً بين الواقع والأمل، بين معيشة المسلمين وما حقق الإسلام للناس على الأرض، وأصبح اليوم بالنسبة لنا اليوم من الآمال والطموحات الكبيرة التي نتمنى أن نرجع إليها، فما يقع في حياة الأمة المسلمة بين الزوج وزوجه، أو بين الوالدين وأولادهما، أو بين الجار وجاره، أو بين المدرس وتلميذه، أو بين التاجر والتاجر، والتاجر والمشتري.

والطبيب والمريض، والموظف والجمهور، وغالبها علاقات هي وغيرها تقوم على الخداع والتدليس والالتواء والافتراس بحيث لا تشم رائحة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي جاء برسالة الرحمة، وهو القائل، «اللهم من ولى من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به» (رواه مسلم)، وهو القائل أيضاً «الراحمون يرحمهم الرحمن»؛ «أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وهو القائل عن نفسه «إنما أنا رحمة مهداة» كما قال ربه ـ عز وجل ـ عنه «وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين»!

علي عيد