القرآن الكريم منهاج حياة للإنسان وهو كذلك منهاج أو دستور للحكم وللسياسة في حياة الدولة، وإذا كان من شأن الدستور أن يتضمن القواعد الأساسية ولا يدخل في التفصيلات فكذلك القرآن اهتم بإرساء الأصول والركائز للسياسة والحكم الإسلامي.
وأول هذه الأصول.. الإيمان والرضا بالله تعالى حاكماً لعباده، يحل لهم ويحرم عليهم يأمرهم وينهاهم ونعني بهذه الحاكمية: الحاكمية الأمرية والتشريعية العليا، أما التفصيلات والتطبيقات الآنية والبيئية فهي متروكة لاجتهاد المجتهدين وعقول المسلمين، لا حجر عليهم فيها ولا إلزام لهم بشيء إلا أن يكون اجتهادهم في ضوء الأصول المرعية المقطوع بها.
والقرآن ذاته هو الذي أوجب الإيمان بهذه الحاكمية كما قال تعالى: (أفغير الله أبتغي حكماً).
وإذا كان مفروضاً على المؤمنين أن يذعنوا لحكم الله ورسوله وأن يقولوا إذا دعوا إليه سمعنا وأطعنا حتى يفوزوا ويفلحوا فكذلك يجب على الذين يتولون الحكم أن يحكموا بما أنزل الله.
وكذلك أن تحكيم جميع ما أنزل الله فريضة ولا يجوز في منطق الإيمان قبول بعض أحكام الله المنزلة ورفض بعضها ولهذا حذر من الذين يحاولون أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله، حتى لا يقع فيما وقع فيه أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض فقرعهم الله على ذلك تقريعاً بليغاً.
قال تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) فكما أنزل الكتاب أنزل الميزان فالكتاب يمثل النص الإلهي الذي يرجع إليه في وضع الأسس وتبيين الأصول ورسم المنهج والميزان هو الذي يرجع إليه في شرح تلك الأسس والأصول وتطبيقها على الواقع فهو يجسد ما تشهد به الفطر السليمة والعقول المستقيمة والأقيسة الصحيحة من إقامة العدل وغرس الفضائل وتيسير الحياة الطيبة للناس والحفاظ على الثروة المادية والبشرية وعلى البيئة وغيرها. فالقيم الأخلاقية الأصيلة التي توارثتها الأجيال عن النبوات الهادية هي المقاييس الإنسانية السليمة التي تهتدي بالكتاب الإلهي لمعرفة الحق، قياساً للأمر بنظيره ورداً للفرع إلى أصله.
وبهذا نعلم أن الأديان السماوية كلها جاءت لتضع للناس ميزاناً خلقياً ثابتاً غرس الله تعالى أصوله في فطرهم وعقولهم ميزاناً يتحاكمون إليه إذا أعوزهم النص من الكتاب الإلهي.
فقد استدل الفقهاء الذين يستعملون الرأي والقياس في معرفة الأحكام الشرعية وبينوا أن النص الصريح لا يخالف القياس الصحيح وأن الشرع لا يفرق بين متماثلين كما لا يسوي بين مختلفين.
قال ابن القيم: قد ثبت أن الله أنزل الكتاب والميزان فكلاهما في الإنزال أخوان وفي معرفة الأحكام شقيقان. وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة بل كلها تتصادق متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبداً.
رجاء علي