قال الشيخ: قال الحق سبحانه وتعالى: (ان تنصروا الله ينصركم) وهذه سنة لا تتخلف عن جماعة إلى يوم القيامة، وما دمنا نقبع في زنازين الهزيمة منذ عقود فإن هذا لا يعني إلا شيئاً واحداً، أننا لم ننصر الله - وهو الغني عنا - فأذلنا الله.
أعراض الهزيمة واضحة لا تحتاج إلى اشارة، حتى ضج منا ومن شبابنا كثيرون فهاجروا إلى بلاد توفر لهم إمكانيات العمل وتعطيهم ما يناسب جهودهم من دخل يحييهم حياة كريمة، فهذا طبيب أجرى آلاف العمليات الجراحية المتطورة والمعقدة، وهذه مهندسة تركت بصماتها على أكثر من موقع أو منشأة أو بناء، وهذا باحث في علوم لا يعرف أعلمنا فك الخط فيها، وهذا خبير مالي ينمّي أموال بلادٍ هو فيها بخبرته وحنكته ومعرفته ما دامت أموال بلادنا أو أكثرها مشاعاً لكل ذي نفوذ أو سلطان.
وهجرة العقول من بلاد المسلمين كارثة بحجمها ومعانيها، فالمهاجرون عشرات آلاف وهم يبنون في المهجر مستقبل أمم أخرى غير أمتهم، وبلادنا بجامعاتها ومراكزها العلمية صارت خاوية على عروشها تعصف بها رياح الجهل والجهالة، حتى قيل أن بعض البحوث ترتب بصورة أقرب إلى أن تكون كاريكاتورية ثم تلقى بعد نيل المرتبة العلمية الفارغة والمفرغة في سلال المهملات.
وأعود لأقول لا يمكن لمن هذا حالهم أن يكونوا مسلمين ومؤمنين، فالإيمان بالله التزام وجهد وبناء في أول معانيه، لأن من يؤمن بالله لا يمكن أن تكون حياته من قبيل العبث وذبح الأيام والسنين سدى، فغاية الخلق إعمار الأرض وخلافة الله فيها، وشرف ابن آدم على غيره من المخلوقات - ومنها الملائكة - علمه ومعرفته وعقله.
لقد سخر الحق سبحانه وتعالى الكون كله لبني آدم، بل وسخر له الملائكة أنفسهم وقد طلب منهم أن يسجدوا لآدم بعد خلقه سجود تبجيل لا عبادة، والمسلم المؤمن لا يصارع الطبيعة والكون في مشوار عمره كما يرون اليوم في الغرب إذا أقاموا فهمهم وفلسفتهم ووعيهم لأهداف حياتهم على صرع الظواهر الطبيعية، وإنما هو يغرف من كرم كف الرحمن الذي سخر له السماء والأرض وما فيهما وطلب منه أن يفك عرى حجب الكون كاشفاً عن عظمة الله في خلقه وكرمه وعطائه.
و(سيروا في الأرض) أمر قرآني، وهو من ظلال الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على عباده حبالاً يتمسك بها من أراد الأمان أو الرغد، وهي-اي الكتب- من باب تقرب الحق سبحانه وتعالى إلى عباده وتعريفهم بنفسه، (سيروا في الأرض) لرؤية آيات الأنفس والآفاق ولقراءة السنن العلمية والتاريخية والإقبال على هدايا السماء مما سخره الحق سبحانه وتعالى لسعادة عبيده، فكل ما انتفع به إنسان من علم من العلوم بعد كشف أسراره هو من قبيل عطاء الكريم الذي لا ينفذ، وأنى لمن يسعى في الأرض وهذا إيمانه وأخلاقه وقربه من الله أن يسخر علمه فيما يؤذي حتى النملة في جحرها.
والإيمان بالرسل إيمان بقمم بشرية تزكت وصفت، وتطهرت ورقت، حتى صارت أقرب إلى الملائكة، بل هم أعظم لسموهم وفيهم غرائز البشر ونقص البشر وحاجات البشر، والإنسان مطلوب منه أن يسير على الأرض وعيناه تنظران إلى هذه القمم مقتدياً بأخلاقها وعطائها ورحمتها وصدقها، ومن هذا شأنه لا يمكن إلا أن يحول حياته إلى ملحمة في البذل تقتدي بملاحم أولئك العظماء.
واليوم الآخر بالمرصاد لكل من طغى وتجبر، ولكل من قصّر وتهاون، ولكل من ضعف واستكان، ولكل من لعب وعبث، ولكل من ضيّع الأوقات والأعمار، فأنى لمؤمن حق الإيمان باليوم الآخر أن تكون حياته سدى.
أما القضاء والقدر، فأمره عجيب في أمة لو أفادت من صحيح الإيمان به لكانت في رأس الأمم، فأنت ما عليك إلا أن تفعل آتياً بكل ما عندك مهما قلّ أو تواضع، ثم تترك الأمر لله، والحق يكمل عنك ما نقص ويطيل عنك ما قصر، ويختار لك الخير ويمدك بالنصر والنجاح وإن تخلفت بعض أسبابهما، ألم تروا إلى جيوش الإسلام في الفتوحات وقد عبر كثير منها أنهاراً عريضة وعميقة، والرجال على خيولهم يتحركون كأنهم على أرض صلبة، لقد وصلوا برجولتهم واستعدادهم وإيمانهم وتضحيتهم إلى الشاطئ، وأمام الماء لم يضعفوا ولم يستكينوا، إنما صدقوا الله ما عاهدوه عليه وخاضوا بخيولهم مسلمين الأمر لله فحملهم الله بقدرته إلى الشاطئ الآخر، حتى قيل ان بعضاً منهم كان يأكل العنب وهو وسط الماء، هذا هو الإيمان لا يمكن أن يجتمع مع قصور أو تقصير، مع ضعف أو هزيمة، فهل نحن مؤمنون فعلاً حتى يقال إنها هزيمة المؤمنين.
ماهر سقا أميني