أوضح إبراهيم العابد مدير عام المجلس الوطني للإعلام أن الإعلام يعتبر جزءاً من آليات صناعة الهوية والتعبير عنها وعن معالمها وسبر أغوارها، مشيراً إلى أن العلاقة بين الإعلام والهوية علاقة جدلية، فالإعلام قوة فاعلة ومؤثرة في التعبير عن الهوية وتحديد ملامحها وتفاعلها ومقوماتها وبالتالي في تشكيلها، وبالمثل فإن الهوية تنعكس عبر الإعلام وتؤثر فيه وتصبغه بصبغتها.

وشدد على أن وسائل الإعلام غير الناطقة بالعربية تتحمل دوراً في تعزيز الهوية الوطنية من خلال نقل صورة واضحة ودقيقة حول المجتمع الإماراتي وعاداته وتقاليده وتراثه لجماهيرها مما يسهم في تحقيق درجة من التفّهم لمجتمع الإمارات وأولوياته ومقوماته.

مشيراً إلى أن المؤسسات الإعلامية في الدولة من صحف ومحطات وإذاعة أو تلفزيون تقوم بدور هام يعتد به في تعزيز الهوية الوطنية من خلال هويتها المؤسسية أو من خلال برامجها التي تصب في صالح تأكيد الجوانب المعنوية والمحسوسة للتراث الإماراتي.

وقال خلال الجلسة الثانية من الملتقى والتي حملت عنوان «الهوية الوطنية والرسالة الإعلامية» إن هناك تفاوتاً كبيراً في مدى تَمثّل وسائل الإعلام للهوية الوطنية تبعاً لطبيعة عملها وشخصياتها المؤسسية وطبيعة الجماهير المستهدفة وغيرها، لافتاً إلى أن توسيع النقاش حول ماهية الهوية الوطنية يعتبر قضية رئيسية ملّحة في الظروف الراهنة لمجتمع الإمارات.

وأشار إلى أن هذا الملتقى يوفر فرصة ثمينة لتأكيد دور الإعلام في التعبير عن الهوية المطلوبة بناء على تفكير وبحث معمقيّن حيث تسعى المؤسسات الإعلامية الوطنية في دولة الإمارات سواء كانت مطبوعة أو إذاعية أو تلفزيونية أو إلكترونية، إلى المساهمة في بناء هوية وطنية متماسكة في المجتمع الإماراتي.

تحليل المضمون

وقال إبراهيم العابد ان نتائج تحليل مضمون بعض الصحف المحلية التي قام بها مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية أظهرت أن حضور الهوية في الصحافة المحلية وتحديداً في مقالات الشأن المحلي، يعكس اهتماماً كبيراً بهذه القضية، فهناك المقالات التي تتناول الهوية بشكل صريح ومباشر والمقالات التي تعبر عن القلق من الذوبان الثقافي لأسباب خارجية في سياق العولمة ولأسباب تتعلق بوجود الوافد في الدولة، والخوف بالتالي على اللغة العربية والعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية المحلية والمقالات التي تخشى من أثر التركيبة السكانية على حقوق المواطنين، والمقالات المضادة التي ترفض المبالغة في تحميل الوافد مسؤولية الإشكالات الداخلية والثقافية والمقالات التي تعبر عن الكبرياء بالإنجاز الوطني والمقالات التي تعبر عن القلق من الهويات الفرعية.

دراسة ميدانية

وأشار إلى أن دراسة جرت على 3 صحف على مدى خمسة شهور أظهرت وجود 234 مقالاً تتعلق بقضايا الهوية، وبتصنيف هذه المقالات حسب الموضوع وجدنا أن نحو 50% منها تعبير عن الافتخار بالإنجاز الوطني في المجالات المختلفة، مقابل نحو 50% تعبير عن القلق من الذوبان الثقافي، ومن أثر التركيبة السكانية على الهوية الوطنية، ومن طغيان الشأن المحلي على الاتحادي.

وتتراوح المقالات التي تقوم على الاعتداد بالإنجاز الوطني والتغني به ما بين 40- 50% من المقالات التي تتناول الهوية، أما النسبة المتبقية، فتتوزع بين القلق حول الذوبان الثقافي، والقلق من تبعات وجود الآخر في الدولة، والتنظير لما يجب أن تكون عليه الهوية الوطنية.

الإنجاز التنموي

وأوضح أنه بتلخيص وقاع المقالات التي تتناول مفهوم الهوية في الصحافة الإماراتية نجد أن الإنجاز الوطني التنموي والاقتصادي والنمو في البنية التحتية عامل رئيسي في إيجاد حس من الفخار والانتماء الوطني، بالإضافة إلى الخوف من آثار العولمة القادمة عبر الحدود على الهوية الوطنية وبشكل خاص على اللغة العربية.

وأضاف أن المقالات استعرضت أيضاً الجدل الدائر حول الآثار الاقتصادية والمادية لوجود الآخر في الدولة، بين من يبدي تخوفا شديدا من هذا الوجود ويطالب بإجراءات نوع الأحياء الخاصة للمواطنين وبين من يعتبر هذا الوجود علامة حيوية وطنية.

مشيراً إلى أن الآراء التي تذهب لمناقشة موضوع الهوية الوطنية تؤكد على موضوع عدم الانعزال، والخوف من الآخر، بل المبادرة والعمل على نشر الهوية الإماراتية الوطنية وتفاعلها مع الثقافات الأخرى، وان عام الهوية لا يعني الانغلاق بل الانفتاح ولا يعني السلبية بل العمل على التأثير في الآخر، وأن عام الهوية لا يعني الانغلاق بل الانفتاح ولا يعني السلبية بل العمل على التأكيد في الآخر.

تفاوت

وقال إنه بالنسبة للقنوات التلفزيونية فإن هناك تفاوتا في تعاطي القنوات التلفزيونية مع هاجس الهوية، فنجد محطات تكرس معظم برامجها لإبراز الجوانب التراثية والثقافية لمجتمع الإمارات والمجتمع العربي الإسلامي، بينما تولي قنوات أخرى اهتماما أقل، كما تساهم الإذاعات المحلية في تعزيز الهوية من خلال برامج التراث والثقافة وبرامج التغطية الإخبارية المحلية والبرامج الدينية، وتشكل الإنترنت موردا إعلاميا واتصاليا يلامس الجوانب المختلفة للهوية الوطنية لمجتمع الإمارات.

وأعرب عن أمله أن يسهم هذا الملتقى في مساهمة المؤسسات الإعلامية في تعزيز الهوية الوطنية من خلال تحديد تعريف موحد ومرن وعصري للهوية يمكن لوسائل الإعلام الوطنية التعامل معه في إطار حضاري معاصر، سواء على المستوى المعنوي أو المحسوس.

وكذلك توفير حوافز للمؤسسات الإعلامية لإنتاج برامج إعلامية تركز على الهوية وتسعى إلى ترسيخها في العقول والسلوكيات باعتبارها الركن الأساسي في تماسك المجتمع ومسيرته نحو التنمية المستدامة.

بالإضافة إلى ضرورة تشجيع الكفاءات الوطنية الإعلامية على تناول القضايا المحلية في مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والكترونية وإبراز مضامينها ودلالاتها الإيجابية، وكذلك أن تولي عناية خاصة لمخاطبة الآخر، وتشجيع الإبداعات المحلية في الإعلام لترجمة الظواهر والاتجاهات التراثية إلى أعمال إعلامية متميزة في الإطار الثقافي العام.

وأعرب عن أمله في وجود مبادرات من مؤسسات القطاع الخاص لدعم برامج وسائل الإعلام، فالجميع شركاء في هذه القضية المحورية فعلينا ان نجعل أعوامنا كلها أعواماً للهوية الإماراتية الوطنية المنفتحة والمتفاعلة مع الثقافات الأخرى.

من جانبه قال الكاتب الصحافي ناصر الظاهري إن الإعلام هو البوابة الرئيسية لحماية الهوية الوطنية، فهو تماما كاللغة في الخندق الأول والأخير لحماية هذا الجيل والجيل القادم، مشيراً إلى أن كاتب العامود الذي يحمل أوزارا ثقيلة يرضى بها أحيانا وأحيانا، يجبر على حملها، فهذا الكاتب لديه إشكالات، ومشكلات بعضها قديمة، وأخرى جديدة، فكاتب العامود صدره مفتوح للأسهم وظهره غير محمي.

اللغة العربية

وحملت الجلسة الرابعة من جلسات الملتقى عنوان «التنوع المجتمعي واللغة العربية»، وشارك في الجلسة التي أدارها راشد العريمي، رئيس تحرير جريدة الاتحاد، وباتريس باولي، السفير المفوض وفوق العادة للجمهورية الفرنسية في الدولة، وبلال البدور، المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، والدكتور علي بن تميم، والدكتورة فاطمة البريكي الأستاذ المساعد بجامعة الإمارات.

واعتبر باولي في بداية الجلسة أن الحديث عن الهوية الوطنية الإماراتية مرتبط ببعض الأبعاد بقضية الهوية واللغة الفرنسية في المجتمع الفرنسي، وربط باولي بين الملتقى، والتساؤلات الموجودة في أوروبا تحديدا في بلدان مثل فرنسا، وهولندا وغيرهما، إذ إن مفهوم الهوية الوطنية هو السبب الكامن وراء طرح التساؤلات المصيرية ونتائج الاستفتاء الفرنسي والهولندي الرافضة لإقرار الدستور الأوروبي.

وقال إن اللغة في قلب هوية الجميع، ومسألة الهوية الوطنية في فرنسا قوية لوجود عناصر تسمح بتعريف هذه الهوية، لا من الناحية العنصرية ففرنسا تحفل بالكثيرين من المهاجرين من مختلف شعوب ودول العالم، ولا في المستويين العرقي أو الديني، كون الدستور يبيح ممارسة الدين والتعبير عنه لأبناء مختلف الأديان والطوائف من الفرنسيين.

واعتبر باولي أنّ حق اكتساب الجنسية الفرنسية والهوية الفرنسية بالتالي، هو حق من حقوق الدم، فكل مولود من أهل فرنسيين هو فرنسي، كما نصبح فرنسيين بالولادة على أرض فرنسا ضمن شروط معينة، كاشفاً عن أنه ييتم كل عام منح الجنسية الفرنسية لأكثر من خمسين ألف فرد.

وأضاف أن ما يجمع الفرنسيين الآن هو انتماؤهم إلى ثقافة واحدة، والتحدث باللغة الفرنسية، فلا يجب ينظر إلى التمسك باللغة الوطنية كرادع للانفتاح على الآخرين، معتبراً أن الدفاع عن اللغة دفاع عن حق كل منا بالتحدث بلغته والتعبير بها، وهذا المبدأ ينطبق على اللغات الأخرى عبر احترام التنوع اللغوي الذي تطالب به فرنسا في الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، إلى جانب قيامها بمسعى مع الإمارات والسعودية لاحترام اللغات ضمن الأنظمة والقواعد المتبعة في نظام الطيران الدولي المدني.

وقال السفير باتريس باولي إن الهوية أمر أساسي يجب احترامه عبر احترام حق المرء بالتعبير بلغته، مع التأكيد على ضرورة احترام الآخر، لا سيما في ظل التوتر في العلاقات الدولية والعلاقات بين الحضارات والثقافات في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، فمن المهم أن نشجع الحوار بين الشعوب فاحترام الآخر لا يكون إلاّ من خلال احترام ثقافته ولغته.

واختتم باولي حديثه بالإشادة بتمكن دولة الإمارات من بناء نظام تعليمي منفتح على كل اللغات، مشدداً على أن إجادة اللغات شرط ضروري لتعلم اللغات الأخرى إذ كيف لشعب ما أن يجيد اللغات الأخرى ما لم يدرك هويته الوطنية، بوضوح يسمح له بالتعرف على الآخرين، فتمسك المرء بلغته ليس انغلاقاً على الذات بل هو وسيلة للانفتاح وشرط للتعرف على ثقافته بعمقها التاريخي.

أمثلة واقعية

واستعرض بلال البدور، العديد من الأمثلة عن واقع اللغة العربية مشيراً إلى أن المشاهد والملحوظ من قبل الجميع أنه في ظل عيش أكثر من 200 جنسية بقوميات أجنبية في معظمها، لها لغاتها الخاصة، يقول تبعاً لإحصائيات رسمية بأن أكبر عدد ممكن من هذه القوميات سيتحدث بلغته.

مشيراً إلى أنّ أكثر من مليون وأربعمئة ألف وافد من الهند وثمانمئة ألف وافد من باكستان يتحدثون بالأوردو في الدولة، وعلى حساب اللغة العربية.

ورأى بلال البدور أنه حتى في وجود اللغة العربية كلغة ثالثة بين اللغات المستخدمة في الدولة، فهي أمام تحديات ومزاحمات تأتي من وجود اللغة الإنجليزية كموازية لها في الإستعمال.

وقال البدور إن هناك بعضاً من يتحدث عن عدم الخوف على اللغة العربية المحفوظة بأمر إلهي في القرآن الكريم وكي لا أكون متشائماً لأضع اللغة العربية في درجة متأخرة إنما في الدرجة الثالثة ذلك أن اللغة الإنجليزية تشكل صلة الاتصال والتواصل والرابط المتبادل بين الأفراد في جميع البلدان تقريباً.

المناهج

قال فاطمة البريكي إن مناهج اللغة العربية تسعى إلى توفير المادة التي تقوم على ترسيخ أسس الهوية الوطنية وإدراك البعد الزماني والمكاني في كيفية التعامل مع مفهوم الهوية الوطنية، فالطفل الذي يأتي إلى المدرسة لا يأتي من بيئة منزلية معزولة، بل يدرك بوجود آخرين في المجتمع يختلفون عنه في عاداتهم وتقاليدهم وطبيعة حياتهم، لذا يجب على الطفل أن يعرف نفسه ويعرف الآخر جيداً.

مخاطر على الهوية

قال إبراهيم العابد مدير عام المجلس الوطني للإعلام إن بعض القنوات الفضائية القادمة من الخارج تشكل مصادر تهديد للهوية الوطنية وليس من السهل وضع ضوابط تنظيمية لها، حيث شكلت الإنترنت تحديا مهما للهوية الوطنية لما تحمله من مضامين تتناقض مع مقومات وأسس الهوية في مجتمع الإمارات وهو أمر يصعب تجنبّه إلاّ بتعميق الوعي وتحسين البديل وتوسيع نطاق التعامل المحلي مع الشبكة العنقودية، مؤكداً على أهمية أن تراعي بعض القنوات التلفزيونية والإذاعية التي تبث من داخل الدولة ثقافة مجتمع الإمارات وخصوصياته.

أمينة الطاير: الملتقى خطوة تدعو إلى التفاؤل وتؤكد أهمية الهوية

أشادت الشيخة أمينة بنت حميد الطاير رئيسة جمعية النهضة النسائية بدبي بانعقاد ملتقى الهوية الوطنية والذي يقام برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

وقالت إن هذا الملتقى خطوة كبيرة تدعم وتعزز الجهود المحلية للتأكيد على أهمية الهوية الوطنية وترسيخها وتدعيمها وان أسرة جمعية النهضة النسائية بدبي تبارك الملتقى وتضع كافة إمكانياتها لدعمه .

كما أشادت بتوصيات مؤتمر الأسرة هوية المجتمع رؤى وطموحات الذي أقيم برعاية كريمة من حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سمو الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم خلال الأيام القليلة الماضية التي تعتبر رافداً يعزز منهجيات الهوية الوطنية وربطها بالأسرة النواة الأولى في المجتمع والتي تدعو إلى التنسيق بين كل من وزارة الثقافة وتنمية المجتمع والمجلس الوطني للإعلام.

وأشارت إلى أن الملتقى خطوة متكاملة تتزامن مع توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإنشاء هيئة وطنية دائمة وإدراج 66 مبادرة لتحسين التركيبة السكانية وكلها قرارات تدعو للتفاؤل والنظرة المستقبلية الراسخة والمتميزة لدولة الإمارات ومواجهة تحديات العصر بقوة وعزيمة وإرادة وتحد .

وأضافت الشيخة أمينة الطاير إننا نبارك ونثمن وندعم ملتقى الهوية الوطنية ونتمنى له النجاح والتوفيق ومما يبشر بنجاح الملتقى الذي سيحضره ممثلون من القطاعين الحكومي والخاص حيث يتناول القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية في الدولة في إطار محاور سبعة تناقش الهوية الوطنية والتحديات وآفاق التعليم في الإمارات وتجربة المشاركة السياسية في تعزيز الهوية الوطنية والتنوع المجتمعي واللغة العربية والانجاز الرياضي والحس الوطني والموروث الوطني وآفاق ترسيخه والسياسة الإعلامية والقضايا الوطنية وكلها مفردات بناءة وهادفة تشكل في مجملها منظومة رائدة تدعم الهوية الوطنية.

في احتضان حقوق الإنسان والتنوع الديني تحدث الدكتور الناقد علي بن تميم، في مداخلته عن جماليات اللغة العربية المتمثلة في احتضانها لحقوق الإنسان والتنوع الديني والثقافي وقال: إنّ اللقاء يحاول أن يحوّل الذات إلى مكان للنقاش ويحول وجودنا إلى موضوع للتداول، معتبراً أنّ جماليات اللغة العربية شكلت تحدياً كبيراً في الكتابة حولها، «فهل يمكن مثلاً أن نتجاوز الشكليات كمصدر لجماليات اللغة العربية، وهل تمتلك اللغة العربية جمالياتها التاريخية والسياسية، وهل يمكن أن نسمي اللغة العربية لغة للحوار والتنوع الديني والعرقي؟».

ورأى بن تميم عند الإجابة عن هذه الأسئلة أنّ هذه المسألة ترتبط بالذات في علاقتها بالآخر، وبثيمة الهوية كفكرة تقع في أفق المقارنة بين فكرة الهوية في اللغتين العربية والفرنسية، فالهوية مصطلح استعرناه من الغرب، والغريب أن فكرة الهوية تحيل على الذات في الفكر الغربي، بحيث نجد أنه تم تشييد الآخر الغربي عن طريق الذات ولا أدري في أي سياق تم اختيار الهوية كمفهوم في الفكر العربي.

وقال إنّ اللغة العربية اختارت الهوية لتحيل على الغائب المختلف، بما يمثله المصطلح من علاقة ارتباط بجماليات مستترة بحاجة إلى كشف وإنصات، واللغة في الفكر الغربي تحيل على اللغة الواحدة والفكر الواحد بينما هي في الفكر العربي تحيل على الكامل الغائب، خارج المعنى الجامد الرصين، مستشهداً بقول الشاعر محمود درويش أنسى من أكون لكي أكون.

وأوضح الدكتور علي بن تميم أن العرب كما هو معلوم يعرفون اللغة العربية على أنها اللسان بعيداً عن الانحياز والتعصب، وهذا ما أشار إليه الماجدي بن ظاهر الذي شك في بنوة الإبنة التي لم تنطق ولم تغن، مشيراً إلى أن القرابة إذاً ليست بيولوجية بل لغوية، فالعربي هو الذي يفصح عن ذاته، والعرب سمّوا تاريخهم بالجاهلي لا لسبب ديني فهم اعتادوا على عدم البحث في أصولهم، فالجاهلية كما في رأي الجاحظ هي جهل العرب بوجودهم قبل الإسلام، مؤكداً على أنّ اللغة العربية قادرة على التواصل والحوار، وطبيعتها شكلت على الغياب، كما لم يعتمد العرب على إقصاء الآخر يوماً.

وأضاف أن اللغة العربية ظلت حاضنة بحميمية وتوتر جميل فاستطاعت التعبير عن «القلة» الدينية، في المجتمع العربي بالفكر التوراتي والإنجيلي كما في أشعار لبيد والسموأل، و«القلة العرقية» كما في تعبير السود بالعربية عن وجود خلاق وجميل.

وفي ختام مداخلته أكد بن تميم على وجوب أن يعاد النظر في ما يحدث اليوم فالعربية هي الوحيدة القادرة على التعبير عن بيئتنا وأشجارنا ومياهنا وبحارنا وحياتنا.

فاطمة البريكي: التواصل مع الآخر امتداد إنساني

وتناولت الدكتورة فاطمة البريكي في مداخلتها مناهج اللغة العربية من خلال قضية «الذات والآخر في مناهج اللغة العربية في الدولة»، واعتبرت أنّ المرء يحتاج إلى معرفة نفسه، والتأكيد على ذاته في ظل إزالة الحدود بين البلاد المختلفة بفعل العولمة، ووجود الجاليات الأجنبية الكبيرة، فهناك أسباباً كثيرة تلزمنا بالتواصل مع الآخر كامتداد إنساني لنا مهما كان جنسه، إلى جانب المصالح الاقتصادية التي تفرض علينا الانفتاح على الآخر وفتح أبوابنا له بفعل العلاقات التجارية والاقتصادية القائمة بين الطرفين، وذلك بفعل الحاجة إلى الإفادة من علومه وخبراته العلمية والعملية وابتعاث طلابنا إليه.

وأكدت البريكي أن الأمر يتطلب التأكيد على هويتنا الوطنية أكثر فأكثر، فالإنسان لا يستطيع معرفة نفسه تماماً إلا بمعرفة الآخر، ومعرفة الذات تحتاج إلى جهد أكبر، وهذه الجهود تحتاج منا متابعة تطوير ووضع مناهج مقررة من قبل الوزارات المحلية، وهنا أقصد المناهج في جميع المواد لتكوين ثروة وطنية حقيقية واقتصاء المعرفة، وكل مادة ستغذي الطالب بأحد مكونات الهوية كالدين والعادات والتقاليد.

ومن خلال أمثلتها كشفت البريكي عن أنّ المناهج المطوّرة التي وضعتها الوزارات المختصة لا تستبعد الآخر فهي تؤكد على درس حب الوطنية والوطن كدرس أكثر أهمية في مساقات التعليم الصفي والمدرسي، مشيرة إلى أنّ الارتباط بالأسرة شكل من أشكال الارتباط بالوطن فالدروس تربطه بالوطن العربي والبلاد العربية ليفهم حقيقة الروابط المشتركة التي تجمع بلده بالدول الأخرى المحيطة.

واختتمت الدكتورة البريكي بالإشادة بالمناهج التعليمية المطبقة في تعليم اللغة العربية والتي تقوم على جعل الطفل مندمجاً مع «الآخر» المنتمي إلى دول عالمية، تختلف عن دولة هذا الطفل، فالدروس تعرفه بالعالم البعيد تحت عنوان «عالم مختلف»، ما يساعده على معرفة نفسه ومعرفة الآخر، مؤكدة على أنّ هذه المناهج نجحت في تحقيق الموازنة بين الذات والآخر وتقديم المعارف إلى المتلقي بشكل أساسي.