اختتم ملتقى الهوية الوطنية فعالياته أمس في قصر الإمارات بأبوظبي الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بعد أن شهد اليوم الختامي للملتقى العديد من جلسات العمل التي تركزت غالبيتها على التحديات التي تواجه الهوية الوطنية وفي مقدمتها المشاركة السياسية والرياضية والإعلامية، كما ألقت الضوء على الإنجاز الرياضي في الإمارات وعلاقته بالحس الوطني. وقضايا اللغة العربية وما تعانيه من صعوبات في المجتمعات العربية وتطرق المشاركون إلى سبل دعمها وناقشوا الموروث الثقافي في الدول العربية.

وأكد سعادة عبدالعزيز الغرير رئيس المجلس الوطني الاتحادي في جلسة مساء أمس الأول أن إنشاء المجلس الوطني في حد ذاته في عام 1972 يعتبر دلالة مباشرة وأكيدة على مفهوم الهوية الوطنية والمواطنة لأنها يعبر عن جموع أبناء الوطن بوصفه السلطة التي تنوب عنهم في تحقيق غايات الدستور ومصالح المواطنين.

وأوضح أن المجلس في مسيرة عمله ترجم الأهداف والغايات النظرية للهوية الوطنية إلى آليات عمل حقيقية من خلال تركيزه على القضايا المعززة للهوية الوطنية وتعميق مكوناتها سواء في دوره التشريعي أو الرقابي، مشيراً إلى أن قضية التعليم كانت محور المناقشات في مختلف الفصول التشريعية للمجلس إدراكاً بأهمية التعليم في التنشئة الاجتماعية الوطنية.

وأضاف أنه هاجس المجلس في كل مناقشاته التشريعية والرقابية كان كيفية تحقيق التوازن بين التقدم في العملية التعليمية والحفاظ على ثوابت الهوية الإسلامية العربية، مشيراً إلى أن القاسم المشترك في توصيات المجلس في هذا الشأن يعكس تطور العملية التعليمية وثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده من خلال تطوير أساليب تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية الوطنية بما يحقق غرس قيم المواطنة والهوية الوطنية.

وقال إن المجلس أولى أهمية خاصة لقضايا الثقافة الوطنية فطالب على امتداد فصوله التشريعية أن تقوم الإستراتيجية الثقافية للدولة على تحقيق التلاقي والتقارب بين عناصر ثقافتنا الوطنية والثقافات الأخرى مع التأكيد على أهمية استبعاد ما يتعارض مع قيمنا الإسلامية وعادتنا وتراثنا الأصيل وضرورة الإعداد المدروس لمواجهة تحديات القنوات الفضائية الأجنبية، وإنشاء وحدة انتاج لبرامج وأفلام مخصصة للنشء والشباب لتوعيتهم بآثار الغزو الثقافي وتشجيع وإبراز الإنتاج الفكري والتعليمي والإبداعي لأبناء الإمارات.

وأشار سعادة الغرير إلى أن توصيات المجلس في هذا الشأن تركزت على ضرورة أن تركز الرسالة الإعلامية الإماراتية على نقل الوجه الحضاري للدولة وإعطاء مساحة واسعة للحرية الإعلامية في إطار الحفاظ على المبادئ والمصالح الوطنية والموروثات الثقافية والاجتماعية.

القيم الدينية

وأوضح أن المجلس لم يغفل دور القيم الدينية في ترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية فأولى أهمية لقضايا الشؤون الإسلامية ودور المساجد التثقيفي، كما تركزت مطالبه على أهمية التدقيق في اختيار رجال الوعظ والإرشاد والقادرين على حمل أمانة التوجيه الديني وتكثيف البرامج الدينية في مختلف وسائل الإعلام ووضع الخطط اللازمة التي يتعرض لها ديننا الإسلامي الحنيف.

ولفت إلى وجود عدد من المؤشرات العالمية لقياس الهوية الوطنية ومن بينها الحفاظ على المعنى المتطور للهوية الوطنية كي لا يحدث انغلاق على الماضي بثوابته، ويتمثل المعيار الثاني للهوية في أنه لا هوية من دون تنمية مجتمعات فيجب أن يتعايش المواطن مع حركة التنمية في دولته ويعتز بها ويدرك أنها سر اعتزازه بهويته.

وأوضح أنه من معايير قياس الهوية الوطنية في المجتمعات أيضاً ضرورة ألا يتصادم الحاضر بمتغيراته لا سيما في إطار جوانب العولمة، كما أن تدابير الإصلاح السياسي تعتبر أحد مؤشرات الهوية، وكذلك مدى انفتاح هوية أي مجتمع على الهويات الأخرى.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة اعتبرت أن مؤشرات الحكم الرشيد تعتبر مقياساً أساسياً لتأكيد ودعم الهوية الوطنية فوفق مؤشراتها حيث حصلت دولة الإمارات على مؤشر ممتاز في الاستقرار السياسي وغياب العنف وفعالية الحكومة وتطور البيئة الإجرائية وسيادة القانون ومحاربة الفساد.

وأكد معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية أن طبيعة التطور والتجديد في المجتمع تقتضي بالضرورة تجديد المشاركة السياسية وتحديث قنواتها الشرعية التي يمكن من خلالها ممارسة العمل السياسي، مشيراً إلى أن المشاركة السياسية تجسد قيماً أصيلة في الثقافة العربية والإسلامية كما انها تعتبر جزءاً أصيلاً من قيم مجتمعنا المحلي.

وأوضح معالي الدكتور قرقاش خلال الملتقى أن التحديث تحتمه أسباب عديدة يأتي على رأسها زيادة حجم السكان وظهور أجيال جديدة لم يعد يناسبها القنوات التقليدية في التمثيل السياسي فضلاً عن أن هذه القنوات أصبحت غير قادرة على استيعابها، وهو ما دعي إلى الحاجة لمزيد من التطوير والتحديث لتلك القنوات حتى يتمكن هذا الجيل من ممارسة العمل السياسي بما يتلاءم مع حاجات العصر.

وأشار إلى أن هناك سبباً آخر تقتضيه عملية التطوير وهو أن المجتمعات أصبحت أكثر تعقيداً وأفرزت قضايا جديدة تتصل بحياة المواطن واستقرار المجتمع وسلامته، وتتطلب حلولاً غير تقليدية للتعامل مع هذه القضايا من خلال مؤسسات سياسية حديثة تملك من الخبرات ما يمكنها من وضع حلول مناسبة لتلك القضايا.

وأضاف أن المجتمع الإماراتي يعتمد في نظامه السياسي على الشرعية التقليدية للأسر الحاكمة وما زالت هذه الشرعية راسخة وقوية وتتمتع باحترام المواطنين وولائهم ومع هذه الشرعية تعززت شرعية الدولة بروافد جديدة على رأسها شرعية الإنجازات التي تحققت على سائر الأصعدة وفي مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

التوجه الصحيح

وأستطرد: ان هناك بعض الملاحظات التي خرجت بها المشاركة السياسية في الإمارات أكدت على ضرورة التدرج في عملية التطوير حيث إن التحرك السريع والاندفاع غير المحسوب دون مراعاة الظروف السياسية والاجتماعية لا يعبر عن التوجه الصحيح والمطلوب، مؤكداً على أهمية رسم معالم واضحة وخطط مدروسة في إطار برامج زمنية محسوبة تستثمر إمكاناتنا المتاحة وتوظفها على أفضل وجه مع دراسة نتائج هذه الخطوة.

وقال إنه من خلال دراسة واقع تجربة المشاركة السياسية في الإمارات فلابد من ننظر إلى المحيط الإقليمي الذي يؤكد على ضرورة أن يكون التدرج أساساً لعملية المشاركة السياسية في الإمارات لتجنب أية تداعيات سلبية سببها التسرع والاندفاع.

وأضاف أن تجربة الانتخابات في دولة الإمارات كشفت عن حقيقة مهمة وهي تطلع المجتمع الإماراتي لتعزيز المشاركة السياسية وتأييده لمبدأ التدرج الذي تبنته القيادة السياسية، حيث شهدت هذه المرحلة حراكاً سياسيا تناول قضايا المجتمع الحيوية من خلال حوارات عامة وجادة تمثل باكورة لتوجه جديد وهو التناول العلني والإيجابي لقضايا المجتمع.

حقيقة واقعة

ومن جانبها أكدت عايدة الأزدي رئيسة جلسة «المشاركة السياسية» أن الحديث عن الإصلاح السياسي والاجتماعي في المجتمعات الخليجية لم يعد حديثاً نظرياً وإنما بات حقيقة واقعة، وهدف هذا الإصلاح يتلخص في المشاركة السياسية الحقيقية للمواطنين كافة دون تمييز.

مشيرة إلى أن جوهر الإصلاح المنشود هو مشاركة المواطن الحقيقية في عملية صنع السياسة العامة، فالمشاركة السياسية مطلب واقعي من منطلق المصلحة الوطنية لدولنا ومجتمعاتنا.

وأشارت إلى أن الإصلاح السياسي يعتبر مفهوماً واسعاً يشمل بين دفتيه الكثير من المفاهيم من أهمها المشاركة الشعبية وإشاعة ثقافة الديمقراطية وحرية التعبير، وتمكين المواطنين، ودفع مسيرة التنمية الشاملة بأوجهها المتنوعة.

تجربة وليدة

قال معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية إن تجربة الانتخابات في المجلس الوطني الاتحادي تجربة وليدة وتمثل جزءاً رئيسياً من عملية التطوير التي تتم مستقبلاً، مشيراً إلى أن هناك صعوبة في التقييم الشامل للعمل الاتحادي لمحدودية التجربة كونها خطوة أولى من برنامج سياسي متكامل.

من جانبه قال سعادة عبدالعزيز الغرير رئيس المجلس الوطني الاتحادي إن المجلس لا يفرق بين أعضائه وأن الأداء هو العامل الرئيسي وهذا الأداء يتوقف في الوقت نفسه على الخلفية الفكرية والثقافية والمجتمعية للعضو وخبرته الحياتية، مؤكداً على أن المجلس على استعداد لتبني خطط البرامج الانتخابية التي تخدم المواطن وتسهم في تنميته بعد الموافقة عليها.

الموروث الحضاري

قال سعادة عبدالعزيز الغرير رئيس المجلس الوطني الاتحادي إن المجلس أبدى اهتماماً كبيراً بالحفاظ على الموروث الحضاري للدولة كدعامة أساسية لتعزيز الهوية الوطنية لذا فإنه عند مناقشته لقانون إنشاء مجلس وطني لسياحة الآثار عمد إلى إدخال تعديلات على أهداف هذا القانون.

أبوظبي ـ أحمد جمال وعبير يونس